كتبت ربى كبّارة في "المستقبل":
تهافت "حزب الله" على دعوة رئيس الجمهورية ميشال سليمان الى استئناف الحوار الوطني لتلميع صورته قبل انهيار النظام السوري، متخطياً تنصله من مقررات الجولة الأولى (2006) وتعطيله الجولة الثانية (2011) بذرائع واهية. وأعلن موافقة سريعة التفافية على ما وصفه بـ"حوار من دون شروط" يريده أن يجري في ظل تمسكه بثلاثية "الشعب والجيش والمقاومة" وبحكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي استولدها بدعم نظام بشار الأسد.
فـ"حزب الله" يريد مثلاً من طاولة الحوار صورة تجمعه بأبرز زعيم سنّي، علّ ذلك يخفف من انعكاسات دعمه لنظام الأسد على أبناء طائفته، والتي تجلّت أول ملامحها في حادثة اختطاف لبنانيين شيعة مؤخراً خلال عبورهم براً مناطق الثورة السورية.
كما يتلهف "حزب الله" ليجلس على طاولة الحوار من موقع القوي قبل سقوط النظام السوري الذي اشتد الطوق الديبلوماسي حول عنقه مع طرد معظم الدول الأوروبية سفراءه بعد مجزرة الحولة في حمص وتأكيد المراقبين الدوليين أنها حصلت بأسلحة يملكها النظام وحده.
وبتشديده على أهمية الحوار في هذه المرحلة بالذات، يريد "حزب الله" أن يوحي بأن كل المشاكل خصوصاً الأمنية منها التي تنقلت مؤخراً في أرجاء البلد سببها غياب الحوار، وليست ناجمة من عجز الحكومة على إنجاز ملفات أساسية ضرورية اجتماعية ومالية، أو عن إرادة النظام السوري نقل فتنته الى لبنان لحرف الأنظار عما يجري على أرضه وللقول إنه ما زال يملك أوراقاً إقليمية إضافة الى تهويله بتنظيم "القاعدة" و"الإرهابيين".
وفي ما يشبه لوحة مناقضة لما جرى عند توقف جولة الحوار الأخيرة على يد "حزب الله" وحلفائه رغم تمسك "قوى 14 آذار" بها فإن هذه القوى تتشدد الآن بأولوية التخلص من الحكومة الحالية لأسباب تتعلق بكيفية ولادتها في ظل مفاعيل السلاح إضافة الى فشل مكوناتها في تسيير عجلة الدولة. وبذلك لا ترفض "قوى 14 آذار" الحوار إنما تفتح الباب أمام احتمال حوار فعلي منتج يمهد الطريق لإنجاح دعوة الرئيس سليمان الاقطاب الى اللقاء بعد 11 يوماً في القصر الجمهوري لاستكمال بحث الاستراتيجية الدفاعية وموضوعها السلاح وفق ثلاثة محاور: سلاح المقاومة، السلاح الفلسطيني، سلاح المدن.
فالامتناع عن الحوار في ظلّ سلطة تنفيذية معطّلة تتراكم على طاولتها الملفات كأنها في مرحلة تصريف أعمال هو الورقة التي تملكها "قوى 14 آذار" لتأتي جولة الحوار المرتقبة خلافاً لسابقاتها. مع التساؤل عما إذا كانت الفترة المتبقية حتى موعد 11 حزيران كافية لإسقاط الحكومة وتشكيل أخرى بما يفتح الباب أمام احتمال إرجاء موعد الحوار.
فقد تنصل "حزب الله" من موافقة بالإجماع على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان كانت أبرز ما توصلت اليه طاولة الحوار الأولى التي دعا اليها بري عام 2006. وفي عام 2010 شكل ملف "شهود الزور" ذريعة مقاطعة "قوى 8 آذار" لحوار متقطع قاده الرئيس سليمان منذ العام 2008 نتيجة "اتفاق الدوحة" الذي تمّ التوصل اليه إثر حوار جرى بعد سيطرة "حزب الله" عسكرياً على بيروت في ايار من العام نفسه. وبعد تعطيلها الحوار اسقطت "قوى 8 آذار" لاحقاً حكومة الرئيس سعد الحريري بسبب وهج السلاح نفسه ناقضة بذلك مقررات "اتفاق الدوحة".
عندما توقف الحوار عام 2010 كانت "قوى 14 آذار" متمسكة به وهي ما زالت معه لكنها تريد على الأقل إلغاء مفاعيل إسقاط "اتفاق الدوحة". هذه القوى تقف علناً الى جانب الثورة السورية فكيف لها أن تجلس على طاولة واحدة مع حكومة أرادها نظام دمشق فأتت امتداداً لمحور إقليمي. وشدّدت "قوى 14 آذار" على أهمية وجود حكومة حيادية قبل الحوار تكون قادرة على تنفيذ مقرراته لأن كل ما تم التوصل اليه سابقاً لم ينفذ. وأكدت في أخر اجتماع لقادتها الأسبوع الماضي أن قيام هذه الحكومة هو "الخطوة الأولى لإطلاق حوار من خلال مؤتمر وطني يجنب لبنان خطر التفكك والانهيار" معلنة قرب تقديمها مبادرة للرئيس سليمان.
ومن الدلائل على تهافت "حزب الله" على الحوار تخطيه للمرة الأولى رفضه إدراج عبارة "سلاح المقاومة" على طاولة البحث. ويظهر بوضوح قبوله الشكلي بها عندما يتمسك أمينه العام بثلاثية "الشعب والجيش والمقاومة" وبحكومة ميقاتي رغم عدم رضاه عن تصرفات رئيسها لمعرفته بأنه عاجز عن تشكيل أخرى، فيما يعتبر أن اشتراط استقالة الحكومة يعني أن المطالب بها "لا يريد الحوار بل يريد السلطة بأي ثمن".
كما من الدلائل موافقة النائب ميشال عون على تلبية دعوة الرئيس سليمان رغم خلافه معه في أمور عدة جمدت التعيينات والموازنة وقوننة الإنفاق المالي.