#adsense

بعثة “النأي بالنفس” إلى تركيا

حجم الخط

استفاقت الحكومة اللبنانية مُتأخّرة وكعادتها على أزمة الحجّاج المخطوفين في سوريا، وقرّر رئيسها نجيب ميقاتي مع من يرافقه، ولا سيما وزير الخارجية عدنان منصور الذهاب الى تركيا لبحث المسألة مع المسؤولين الاتراك في خطوة كان يجب أن تحصل منذ اللحظة الأولى للخطف وتقوم بها وزارة الخارجية اللبنانية عبر حراك ديبلوماسي غير مسبوق لمعرفة مصير أبنائها المفقودين خارج الحدود.

لكن وزارة الخارجية صاحبة "بدعة" النأي بالنفس، وسّعت دائرة تفسيرها لهذه السياسة بحيث شملت كل مهام الوزارة التي أضحت في غيبوبة كاملة وغير معنية بكل ما يحصل للبنانيين في الخارج، فهي لا تتدخل، لا تتحرّك، لا تقوم بالوساطة المطلوبة من أجل الإفراج عنهم، وكأنّها سلّمت أمرها للنظام السوري الذي يتبع معها منطق "انتي ما تتصرّفي، نحنا منتصرّف عنك"، والواقع أنّ سياسة النأي بالنفس تنبع من قلّة نشاط الوزارة وعدم رغبتها في العمل حيث رأتها فرصة جيّدة للتكاسل والركون.

من أهم مسؤوليات وزارة الخارجية معرفة مصير اللبنانيين في الخارج والإهتمام بهم، والتّدخل لحل مشكلاتهم إذا وقعوا في مصيبة أو تعرّضوا لحادث او لأذى، ولهذا تُرسل الدولة البعثات الديبلومسية الى الخارج وتفتح السفارات وتُعيّن السفراء وتنفق من أجل ذلك الأموال الطائلة لأنها تعتبر أن أبناءها في الخارج يجب أن تُتابع أمورهم مثل الموجودين في الداخل لا بل أكثر من سكّان الوطن.

ويُعطي التاريخ حيّزاً كبيراً من صفحاته ليذكر دور الديبلوماسيين والسفراء ووزراء الخارجية في صناعة الأحداث ورسم السياسات وحلّ الأزمات والحروب، والكلّ يعرف دور وزير خارجية فرنسا في عهد نابوليون بونابرت تشارلز موريس دو تاليران الذي أعطى بلاده نصراً ديبلوماسيّاً وسياسيّاً في مؤتمر فيينا عام 1814 معّوضاً الهزيمة العسكريّة لبونابرت؛ والمعروف أن لبنان مصبوغ بالتدخلات الخارجية التي كانت تحصل عبر السفارات الأوروبيّة في أيام السلطنة العثمانية الذين كانوا هم الحكّام الفعليون للبنان وليس السلطنة.

والظاهر أن الخارجية اللبنانية لا تقرأ في كتاب الفعاليّة الديبلوماسيّة، وما يهمّها هو النأي بنفسها عن القيام بمهامها، حيث يرى عضو لجنة الخارجيّة والمغتربين في مجلس النواب النائب جوزف المعلوف أن "وزارة الخارجية تأخّرت في التدخّل لحلّ قضية المخطوفين، وذهاب منصور الى تركيا مع الرئيس ميقاتي لا يستأهل أيّ إثناء، لأن هذا واجبهما الذي يفرض عليهما العمل من أجل معرفة مصير مواطنين لبنانيين في الخارج، وعلينا محاسبتهما إن أخفقا في مهمتهما".

المتابع لقضيّة المخطوفين، ينظر بعين الأمل الى زيارة المسؤولين اللبنانيّين الى تركيا لعلّها تأتي بالنتيجة المرجوة، لكن الشيء المُفاجئ هو حصر لقاءات ميقاتي مع مجموعة قليلة من الديبلوماسين الأتراك المتابعين للموضوع، في وقت كان الكلام في البداية عن أنّ المفاوضات تحصل بين الجانب التركي والجانب الإيراني، والغريب أن الذين خُطفوا هم لبنانيون على الأراضي السوريّة، وغياب النظام السوري عن المفاوضات يدلّ على أنّه فقد السيطرة على الأمور، فمن الناحية العسكرية أصبح "الجيش السوري الحرّ" يسيطر على مساحات واسعة من المدن والأراضي السوريّة تصل الى الحدود التركية، وسط تقلّص سيطرة قوّات النظام. ومن الناحية الديبلوماسيّة لم يعد للنظام السوري كلمة على الساحة الاقليمية بحيث سلّم أمره للنظام الإيراني، في وقت نشهد موجة طرد السفراء السوريين من البلاد الموجودين فيها بعد مجزرة الحولة التي ارتكبها.

ووسط هذا التضعضع للنظام السوري، تُصرّ الخارجية اللبنانية على ربط مصيرها به. لذلك، يدعو المعلوف في حديثه الى "المستقبل" الحكومة اللبنانية ووزارة الخارجيّة "الى تحمّل مسؤولياتها وعدم الإلتحاق بالنظام السوري الذي يعتدي على سيادتنا، وفصل الديبلوماسية اللبنانية عن النظام السوري الذي يعتدي علينا".

ويسأل المواطنون عن دور السفارة اللبنانية في سوريا في كل ما يجري، وهل تقوم بالإتصالات المطلوبة من أجل المساعدة قدر الإمكان في حل هذه القضيّة، مع علمهم بأنها غير قادرة على فعل شيء، لأنّ الموضوع بات متشعباً ودخلت فيه دول وأجهزة مخابرات كثيرة نظراً الى ما يقوم به "حزب الله" في الخارج من أعمال استخباراتية مضّرة حرّك بنتيجته الأجهزة الإقليمية والدولية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل