بات من الثابت بما لا يقبل اي جدل ان منطق القوة هو الرابح في استصدار القرارات التي يطالب بها أي فصيل أو فريق أو تجمع في لبنان .
فالاشهر القليلة الماضية أظهرت أن منطق القوة يفضي الى الغلبة على قاعدة المثل الفرنسي القائل : "منطق الاقوى هو الاكثر غلبة وله الافضلية "la raison du plus fort est toujours la meilleur". كما أن "السمكة الاكبر تأكل الاصغر منها". فمن قضية مياومي شركة الكهرباء، الى حوادث معمل الزهراني الى حوادث طرابلس الى من طالب بالمخطوفين، الى المطالبين بجسر جل الديب، الى متظاهري المنصورية، الى أهل حلبا وعكار والقبيات وبشري، الى سائر من نزل الى الشارع ولجأ اليه وسيلة للتعبير عن رايه بمعزل عن كون هذا الراي صائب أو لا، أو قضيته محقة أو لا، وقام بحرق الاطارات وقطع الطرقات، فإن الشواذ بات قاعدة، والقاعدة المتبعة على هذا النحو ترتكز على منطق القوة. وها إن السلطات المعنية السياسية والعسكرية والامنية باتت عاجزة عن مقاومة هذا المنحى التصعيدي الذي بات يلجأ اليه كل الاطراف من دون استثناء لفرض المطالب وارغام السلطة على تحقيقها مع رفع بيارق القوة و"كسر العظم" أياً كانت سياسية أو معيشية أو ادارية .
بيد أن ما وصلت اليه الامور من فلتان وفوضى – كنا نحذر منه مراراً – وهو جاء بالتدرج من سنة الى أخرى حتى أخذ هذا المنحى التصعيدي. وقد بتنا نشاهد صوراً مؤسفة تظهر وحدات من الجيش وقوى الامن الداخلي تقف بحيرة أمام المسلحين مكشوفي الرأس يحملون مسدسات وبنادق حربية، ولا تقوى على ممانعتهم أو قمعهم بحجة الخشية من تعريض السلم الاهلي للخطر .
هذا المشهد اعتاد اللبنانيون عليه عندما راينا النسوة يقذفون بالحجارة رجال قوى الامن في رومية وصور والضاحية الجنوبية خلال حوادث قمع مخالفات البناء كما المطالبة بالافراج عن السجناء، وبدا لا شك أن تراخي بعض الاجراءات والاحكام القضائية قد أوصل الى ما وصلنا اليه. فاعتبر بعضهم أن اللجوء الى القضاء لن يجد، وهو فضل اللجوء الى الشارع لاستيفاء حق بعد أن بلغت المماطلة في الكثير من المحاكمات حداً خياليا،ً فتمر السنوات الطوال وتبقى الدعوى في مراحلها الابتدائية، ولم يعد غريباً أن يستغرق البت بالدعوى عشرين عامأ أو أكثر، أو يفصل بين الجلسة والاخرى عشرة اشهر او اكثر، كما أن منطق تبرير اقتناء السلاح بات شائعاً وقضية ملحة بل مطلباً شعبياً في ظل انتشار الجريمة وازدياد الفلتان الامني .
آخر الجرائم الشنيعة ما حدث في سد البوشريه على غرار أفلام هوليوود حيث عمد القتلة بدم بارد ظهراً وأمام اعين المارة ومن قارعة الطريق على اطلاق رشقات من سلاح حربي على الضحية واصابة اثنين بجروح ما تسبب باهتزاز الامن في المنطقة ودفع شبانها الى قطع طرقاتها بالاطارات المشتعلة استنكاراً وحتى الى منع الاجهزة الامنية من تمثيل الجريمة حيث وقعت، بعدما أوشك الامر الى تعريض حياة الجناة لخطر القتل من قبل اقارب الضحية وبعض الغاضبين، فيما دافع الجريمة كان خلافاً على كلفة تصليح دراجة نارية بلغت 47 دولاراً أميركياً .
وبموازاة ما تقدم، والاشد خطورة هيبة الدولة التي اهتزت من جبل لبنان الى الشمال فالبقاع الى بيروت بعدما تم التداول باشاعات عن انسحاب الجيش اللبناني من عكار قبل أن يتم توضيح ذلك ، فيما الاكثر غرابة أن لا يتم توقيف اي مسلح رغم كل ما جرى من حوادث .
بل أكثر من ذلك، والاكثر غرابة ومدعاة للتعجب، أن معظم المناطق اللبناني تبدو كالجمر تحت الرماد في حين يبقى جنوب لبنان المنطقة الاكثر استقراراً وأمناً ما يرضي العدو الاسرائيلي ويبقيه مرتعاً للطمأنينة على ابواب موسم اصطياف ستزدهر خلاله جنات الدولة العبرية وتقتظ بالسياح والمصطافين فيما يخلو لبنان من ابسط مقومات الاستقرار والهدوء والطمانينة والامن.