يتملك غالبية اللبنانيين شعور عميق بالخوف من المستقبل وعلى المستقبل. فالأحداث التي جرت عندنا في الآونة الأخيرة بدت من الخطورة بمكان وكأنها جدياً قد وضعت لبنان مجدداً على شفير الحرب الأهلية. فالنظام السوري الأسدي المزداد ضراوة ووحشية في مواجهة الانتفاضة الشعبية المناهضة للنظام الحاكم والأسرة المتربعة سعيداً يرغب على ما هو باد في توسيع رقعة هذه الحرب لتشمل لبنان، ذلك البلد المتخم بالمشكلات والتناقضات العصية والذي، والحالة هذه، يشكل تربة خصبة لاستقبال المشكلات.
وتقترف حكومة العجز والخواء والفساد القائمة عندنا سلسلة هائلة من الاخطاء الجسام لدرجة يستطيع المرء معها القول انها متورطة إلى أبعد الحدود لايصال البلاد الى هذا المستوى من الاهتراء والانحلال. فعلاوة على الصفقات المريبة والرشوة التي اصبحت عنواناً صارخاً للحكومة، وبالاضافة الى سياسة التبعية العمياء لنظام دمشق المتداعي وتكريس خروج لبنان لأول مرة في تاريخه عن الاجماع العربي وابتداع منطق ممجوج هجين جرى تسميته عبثاً بالنأي بالنفس، جاءت أحداث أمنية خطيرة لتضعنا على فوهة بركان. فالأسلوب الأسدي في الخطف والتوقيف بعيداً عن الأصول القضائية المعتمدة في الدول الديموقراطية، وتأزيم العلاقات بين الرأي العام من جهة والمؤسسة العسكرية من جهة أخرى، ومحاولة إظهار الجيش كأنه لفئة دون أخرى وتسليط أجهزة أمنية معينة لملاحقة واضطهاد وترويع اتجاه سياسي معين كانت له تداعيات باعثة على السخط والقلق.
ولو لم تكن حكومة الميقاتي التي تمت صناعتها في دمشق وتوزيع حقائبها من قِبَل "حزب الله" المسؤولة فعلياً عن هذه الممارسات، لكان بالامكان تجاوز اخطائها ومعالجتها. إلا أن الشعور العام والحقيقي والذي لا مجال لانكاره ان "حزب الله" هو الحاكم الفعلي للبلاد، بل الشعور بالظلم والافتئات والغبن عند فئات واسعة من اللبنانيين قد جعل من لبنان دونما مبالغة برميلاً هائلاً من البارود قابلاً للانفجار في كل لحظة. وقد عزز من هذا الشعور بالاحباط والاضطهاد السلوك المشين والمدان للسلطة حيال التعديات المتمادية على سيادة لبنان، حيث اصبح بوسع كتائب الأسد وفرق الشبيحة ورجال الغستابو السوري (الأمن) أن يتصرفوا على هواهم ليس بمصير سكان القرى الحدودية فحسب بل بأولئك النازحين السوريين الذين التجأوا إلى ربوعنا طلباً للأمن وانقاذاً لحياتهم المهددة بالخطر.
إن إمساك "حزب الله" بجميع مفاصل البلاد ومرافقها حيث يعتمد أحياناً واجهات مصطنعة من هنا وصوراً كاريكاتورية من هناك قد جعل اللبنانيين في حالة غربة عن وطنهم، بل أسوأ ما في الأمر عندما يسود شعور لبناني عام انهم مهددون في حياتهم وأمنهم وأبواب رزقهم بل أسوأ من ذلك بكثير أنهم عرضة للتنكيل والتوقيف والاعتقال بسب منحى رأيهم السياسي (delit dopinion) فالخوف المستبد بالنفوس هو الشعور العام السائد الآن.
ثمة وقائع لا يمكن القفز قوفها أو تجاوزها ببساطة أو سذاجة أو افراط في حسن النية كما يدعوها بعضهم لحد إتهامهم لنا بالاستسلام: فابتداء بخطف مسؤول في مكتب وزير رئيس في الحكومة، ومروراً باغتيال أو تصفية أو قتل شيخين شابين ناشطين في مساعدة وبلسمة جراح السوريين النازحين في عكار، ثم استخدام جيوب مسلحة أعدت سلفاً لساعة الصفر في مناطق معينة ذات اتجاه غالب يدين بالولاء لقوى 14 آذار وتركيز متعمد على المخيمات الفلسطينية والترويج مجدداً لما اسمته أسرة الأسد "العرفاتيين"، ومحاولة اقحام الفلسطينيين لمفاقمة التوتر القائم، وانتهاء بمناصبة لبنان لدول الخليج العداء باللجوء إلى أساليب وقحة وممجوجة لبعض العناصر الأمنية، كلها ممارسات موصوفة مدموغة بطابع السيطرة المطلقة لـ"حزب الله" على البلاد والعباد.
كل ذلك قد جرى ليصل بنا الأمر إلى مأزق جديد ظهرت معالمه منذ أيام أمام المقترح الحميد المشكور للعاهل السعودي الذي هاله تدهور الأوضاع عندنا ليقترح على اللبنانيين الجلوس إلى طاولة الحوار. إلا أن جميع المعطيات الراهنة تدل وبصورة لا تقبل الاجتهاد وبل التأويل ان هذه المهمة شاقة عصية غير قابلة للتحقيق والانجاز بالسهولة التي نتصور:
ـ فمن جهة أعلن السيد نصرالله رفضه المسبق لأية شروط مسبقة للحوار، أي بعبارة أخرى انه يضع سلاح حزبه خارج جدول الأعمال out of question.
ـ ومن جهة أخرى هناك طرف رئيس معني لأبعد الحدود بالحوار غير قادر على المشاركة به ألا وهو السيد سعد الحريري الباقي خارج البلاد لأسباب أمنية داهمة.
ـ على صعيد آخر، تصرّ أوساط "حزب الله" على بقاء الحكومة المنهوكة المهترئة الحالية معتقداً بأنها صالحة للاشراف على الانتخابات (عام 2013) وإصدار نتائجها.
ـ بالمقابل، ما زال النظام الأسدي يمارس تعدياته على حدودنا البرية المتاخمة له وما زال الناطق باسمه في مجلس الأمن يكرر اتهاماته الكاذبة بحق فريق من اللبنانيين ما يعني ان دمشق ما زالت في صدد زعزعة الوضع اللبناني.
ان الطروحات الملفقة، والقائلة ان ثمة اسلحة ومسلحين في طرابلس وعكار والتي يروّج لها "حزب الله" ليست سوى ذريعة مختلقة لتبرير إصراره على عدم حل مشكلة سلاحه، فكيف يمكن موازنة ومقارنة اسلحة فردية بترسانة صاروخية متطورة؟ لقد تعطلت الحجة وغاب المنطق، فلم نعد ندرك حقاً مقاصدهم ومراميهم. كما ان التلويح بترحيل الحكومة المنهوكة بحكومة تكنوقراط قد يحمل في طياته خدعة وفخاً، ذلك ان هناك تكنوقراط وتكنوقراط، ذلك ان "حزب الله" نفسه يملك العديد من أصحاب الاختصاصات (التكنوقراط). المهم أن تأتي حكومة حيادية وتكنوقراط حياديون.
ان شرط رحيل هذه الحكومة هو المدخل الى الجلوس الى طاولة الحوار، وإلا فالأزمة مستمرة والوضع على حاله مشرّع على أسوأ الاحتمالات.