كتب عبد الكريم أبو النصر في صحيفة "النهار":
"لن يستطيع نظام الرئيس بشار الأسد تحويل لبنان دولة حليفة له تسانده كلياً في معركته البالغة الصعوبة مع شعبه المحتج ومع الغالبية العظمى من دول العالم على رغم علاقاته الوثيقة مع بعض الجهات الأمنية والسياسية اللبنانية، لأنه فقد سطوته وبات عاجزاً عن تغيير موازين القوى السياسية والشعبية لمصلحته في هذا البلد وعن تحقيق أهدافه الأساسية فيه من طريق الضغوط السياسية والأمنية. هذا الواقع مرده الى حجم الثورة الشعبية السورية وانعكاساتها وتداعياتها والى الأخطاء الكثيرة التي ارتكبها النظام السوري داخلياً وخارجياً فبات يواجه ضغوطاً دولية واسعة هائلة تزايدت بعد مجزرة الحولة ويشارك فيها حلفاؤه الروس والصينيون، كما بات يواجه ضغوطات جدية روسية – أميركية – فرنسية – بريطانية تهدف الى الإتفاق على حل للأزمة يشمل رحيل الأسد، واحتمال إستخدام القوة العسكرية ضده إذا تواصلت أعمال العنف والقتل". هذا هو تقويم مصادر ديبلوماسية أوروبية وثيقة الاطلاع في باريس إستناداً الى المعلومات التي تلقتها من بيروت ودمشق وعواصم أخرى.
وأوضحت هذه المصادر "ان الثورة الشعبية السلمية والمسلحة أنهكت نظام الأسد وأضعفته داخلياً وخارجياً في مجالات حيوية عدة وأفقدته القدرة على حكم سوريا وإدارة شؤونها ومعالجة مشاكلها الضخمة والسيطرة على أوضاعها، كما أنهت دوره الإقليمي وجعلته يخسر الورقة الفلسطينية بعد انفصال حركة "حماس" عنه، وسددت ضربة قاضية الى علاقاته مع الدول العربية والاقليمية والأجنبية البارزة والمؤثرة التي صارت تعمل على تغييره بوسائل متنوعة. كما ان الثورة الشعبية أضعفت نفوذ نظام الأسد في لبنان وأربكت حلفاءه وعززت مواقع القوى اللبنانية الإستقلالية المعادية له ، فصار مضطراً الى التكيف مع وجود حكومة لبنانية مرتبطة به رسمياً لكنها ليست قادرة على تنفيذ كل مطالبه والدخول في مواجهة مع خصومه أو توفير الحماية له وان كانت تتساهل ضمناً مع بعض التجاوزات السورية. وبات نظام الأسد يشتكي من هذه الحكومة ويعترض على تبنيها سياسة النأي بالنفس من غير أن يكون قادراً على تغييرها (…)".
واستناداً الى معلومات المصادر الأوروبية المطلعة فإن نظام الأسد "قد يرغب في تصدير أزمته الداخلية الحادة الى لبنان وتفجير أوضاعه من أجل محاولة دفع الدول المؤثرة الى عقد صفقة معه تنقذه وتضمن بقاءه، لكن هذا التوجه السوري يصطدم بعقبات أساسية أبرزها ان الدول الإقليمية والغربية المؤثرة ترفض التحاور والتفاهم مع النظام السوري وتريد إسقاطه وان الأفرقاء اللبنانيين أنفسهم ليسوا مستعدين للإنجرار الى الإقتتال الداخلي الواسع بينهم، بل ان حلفاء دمشق يقاومون سراً هذه الرغبة السورية ويفضلون عدم التورط الى هذا الحد مع نظام يواجه مصاعب هائلة ومهدد بالسقوط. كما ان إشعال حرب داخلية واسعة في لبنان يشكل تهديداً خطيراً للأمن والإستقرار في المنطقة وسيدفع الدول البارزة الى تصعيد المواجهة مع نظام الأسد واستخدام القوة العسكرية لمنع اندلاع نزاع إقليمي واسع ولوضع حد للأزمة السورية المتزايدة خطورة".
وقال لنا مسؤول أوروبي معني بشؤون المنطقة: "ان الأسد راهن على انه يستطيع التحكم بلبنان معتمداً على حلفائه وحدهم ومتجاهلاً القوى الإستقلالية والدول الإقليمية والأجنبية المهتمة بمصير هذا البلد، لكنه خسر الرهان. فالحكومة الحالية فشلت في إدارة شؤون لبنان ولم تتمكن من تحقيق الإستقرار السياسي والأمني والإقتصادي فيه ولم تنجح في معالجة المشاكل الحيوية الحادة، بل ازدادت في عهدها معاناة اللبنانيين وتعززت انقساماتهم وانتشرت الفوضى في أرجاء البلد". ورأى المسؤول الأوروبي "ان سياسة النأي بالنفس عن الأزمة السورية وعن النزاع الإيراني – الدولي هي لمصلحة لبنان، لكن هذه السياسة غير مجدية ولن توفر الحماية للبلد إذا لم يجتمع القادة اللبنانيون بسرعة في مؤتمر حوار وطني يعقد في رعاية الرئيس ميشال سليمان من أجل التفاهم على تسوية القضايا الأساسية العالقة وأبرزها وأكثرها إلحاحاً قضية إنتشار السلاح في أيدي اللبنانيين. وإذا كانت الحرب الأهلية مستبعدة الى حد كبير، فإن لبنان يواجه خطر انتشار الفوضى الأمنية فيه على نطاق واسع بسبب تداعيات الأزمة السورية مما يتطلب اتخاذ قرارات وإجراءات حاسمة وجدية من أجل منع استخدام السلاح في الصراع السياسي الداخلي وإيجاد آلية تنسيق بين الجيش والمقاومة لحماية البلد من أي تهديد إسرائيلي وحظر اللجوء الى "السلاح المقاوم" لتحقيق مكاسب أو لمواجهة خصوم النظام السوري".