#dfp #adsense

لطالما فَرَضَ السلاح الحوار وانتفت الحاجة إليه عند زواله…

حجم الخط

عندما تضيق الرقعة السياسية والجغرافية بمن يملك السلاح يصبح مضطرّاً بأن يوسع رقعته، وبين المرحلتين يَفرض الحوار كحلّ موَقّت قبل الانفجار إن لم نقل للتهديد بالانفجار.
يوم وقعت الأحداث العسكرية في العام 1958 لم يضع انتخاب رئيس جمهورية جديد حدّاً للاضطرابات السائدة، فتمّ خطف الصحافي الكتائبي فؤاد حداد، ثمّ شُكِّلت حكومة مؤلّفة من ثمانية أعضاء، سبعة منهم من المعارضة ممّا زاد في الأزمة تفاقماً، الأمر الذي فرض تشكيل حكومة من أربعة أعضاء، اثنان من الموالاة واثنان من المعارضة، فتحاور الطرفان داخل مجلس الوزراء.

وبعد الهزيمة التي ألحقتها إسرائيل بالدول العربية في العام 1967 انقسم اللبنانيّون قسمين، قسم يقف إلى جانب الفدائيّين الفلسطينيين، وآخر لا يؤيّد المواجهة التي يخوضونها مع إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وقد ردّت إسرائيل عليهم من خلال تدمير كلّ الطائرات الجاثمة على أرض المطار في 28/9/1968، ممّا زاد من الانقسام.

لكنّ السلاح الفلسطيني فرض توقيع اتّفاق القاهرة في 3/10/1969 الذي بقي ساري المفعول حتى صدور القانون الرقم 25/87 في 15/6/1987 الذي قضى بإلغاء القانون الذي أجاز للحكومة إبرام الاتّفاق المعقود مع حكومة إسرائيل في 17/5/1982 وكذلك الاتفاق الموقّع من الفريق اللبناني برئاسة العماد إميل بستاني مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية فاعتُبر لاغياً وكأنّه لم يكن.

هكذا فرض السلاح توقيع اتّفاقات مكتوبة وغير مكتوبة كما سنرى.

ومع إصرار الحكومة السورية على الإمساك بورقة المقاومة الفلسطينية المسلّحة ما شجّع المسيحيين على التسلّح بسبب الدور الفلسطيني المسلّح في لبنان، بعدما فشل الجيش اللبناني في السيطرة على السلاح الفلسطيني لسنوات وسنوات. ثمّ اندلعت الأحداث الأمنية اللبنانية في العام 1975 بين فريق مسلّح من هنا وآخر من هناك، فاضطُرَّ عندها الرئيس سليمان فرنجية إلى وضع الوثيقة الدستورية في 14/2/1976 التي اعتبرت بمثابة إصلاحات دستورية علَّ المتنازعين يتركون السلاح ويعودون إلى الحوار، لكنّ ذلك لم يحصل، ما برّر دخول الجيش السوري الأراضي اللبنانية في 1/6/1976.

هكذا استمرّت الأطراف اللبنانية المتنازعة تؤثّر في مجرى الأحداث في لبنان في تلك الفترة لأنّها كانت تحمل السلاح، ثمّ حصل الانسحاب الإسرائيلي المفاجئ من منطقتي الشوف وعاليه بعد اجتياح عام 1982، فوقعت مجازر الجبل التي كانت من أسوأ وجوه الحرب في لبنان، وقد فرض السلاح مؤتمراً للحوار في حينها دعا إليه الرئيس الجميّل وانعقد في جنيف بتاريخ 31/10/1983، لكنّه لم يسفر عن هدنة سياسية وأمنية، فاستمرّت الدعوة إلى مؤتمر الحوار الثاني الذي انعقد في لوزان في العام 1984، وهو أيضاً لم يوقف الصراع الأمني، إذ عندما انسحبت القوّات الإسرائيلية من شرق صيدا وإقليم الخرّوب تكرّرت المجازر.

ثمّ وضع الرئيس الجميّل في العام 1987 "وثيقة إصلاح دستوري" تشبه في بنودها ما تمّ الاتفاق عليه لاحقاً في اتّفاق الطائف، لكن ذلك لم يوقف الصراع بين المتنازعين بل ردّ عليها رئيس الحكومة آنذاك بالاستقالة، ثمّ أقرّ التعديل الدستوري للعام 1990 الذي جرى نتيجة لما اتّفق عليه في مؤتمر الحوار المنعقد في مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية 30/9/1989.

وكان السبب الأبرز في انعقاد هذا المؤتمر الصراعات الأمنية التي تخلّلت عهد الحكومة الانتقالية (جراء شغور منصب رئاسة الجمهورية) من حرب الإلغاء مروراً بحرب التحرير وانتهاءً بحرب الإلغاء الثانية.

لكنّ نتائج مؤتمر الحوار الذي انعقد في الطائف لم تُطبّق إلّا يوم اجتاحت القوّات السورية المنطقة الشرقية وفرضت استتباباً للأمن، مستخدمةً كلّ وسائل الإكراه لفرض سيطرتها على لبنان حتى خرجت منه في 26/4/2005، عندها استعاد حاملو السلاح دورهم، وقد ضاقت بهم المساحة السياسية في حينها فاستعملوا السلاح وفرضوا حوار الدوحة الذي تنصّل من أحكامه حَمَلة السلاح أنفسهم دون سواهم.

وها هو السلاح مجدّداً يفرض اليوم الحوار، في حين أنّ التجارب التي ذكرناها لم تُفضِ إلى نتائج يوم بقيَ حَمَلة السلاح متمسّكين بسلاحهم.

ويوم يقتصر حمل السلاح على القوى الشرعية والقانونية والدستورية، عندها تزول الحاجة إلى مؤتمرات حوارٍ، إذ لا يفرض السلاح حواراً، بل تقوم المؤسّسات الدستورية بلعب دورها فتتولّى فيها الأكثرية المنبثقة عن انتخابات نزيهة الحكم، فإمّا أن تُقنع الرأي العام بما تقوم به من خيارات سياسية واجتماعية واقتصادية… فيجدّد الناخبون الثقة بها، أو يصوّتوا للمعارضة ويجعلوها أكثرية تتولّى الحكم، وتسعى إلى إقناع الرأي العام بما تقوم به لئلّا تفقد لاحقاً تأييد الأغلبية لها.

وعندما تسود اللعبة الديموقراطية الصحيحة، فلا نجد من داعٍ للحوار ولا للمؤتمرات الحوارية، لأنّ كلمة الفصل تكون بيد المؤسّسات الدستورية التي تترجم إرادة الناخب الذي يحدّد وحده مستقبل وطنه بدلاً من أن يحدّده له حَمَلة السلاح.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل