للوهلة الأولى غلب الظن من خلال صور مذبحة "الحولة" التي تتابعت مخيفة على شاشات التلفزيون وكأنها ارتكبت في اسرائيل على أيدي الجيش الصهيوني. ثم وللوهلة الأولى أيضاً خلنا أن السلفيين والقاعدة ممن يسميهم "الغرب" الإرهابيين، هم الذين اقترفوا هذه المقتلة. والظن الأخير كان أرجح. فالذبح والتقطيع والتمثيل بالجثث واستهداف الأطفال والنساء في مجازر جماعية، وهذا ما شهدت الساحة الجزائرية له فصولاً، في الأحداث التي اندلعت في السنوات الماضية، هي كلها من اختصاص هذه الجماعات الأصولية. فالخنجر والسكين والسيف والبلطة والفأس والساطور والآلات البدائية الحادة برع في استخدامها للذبح الحلال هذه الجماعات. السؤال: لماذا رجحنا هؤلاء كمرتكبين. لأن "الذبح" سمة من سمات نضالهم. ولماذا عدنا وشككنا في مظاننا؟ لأن النظام السوري ارتكب هذه المذبحة الحلال وعلى الطريقة التي ارتكبها، لكي يوحي للعالم بأن "القاعدة" والسلفيين، هم الذين فعلوها، فالنظام من "اختصاصه" القصف بالدبابات والمدافع والطائرات وتنفيذ الاعدامات الميدانية بالرصاص. لا يعتمد هذه الأساليب لأنها أساليب "البربرية" الخاصة بالسلفيين أي بالاسلاميين، أي بالسنة "المتشددين" خصوصاً والسنة عموماً! وهذا يذكرنا أيضاً بالسيارات المفخخة، وبالعمليات الانتحارية التي فجرت في دمشق وحلب ودير الزور: فهذه أيضاً من اختصاص القاعدة. تبرئة ساحة، نعم! ولكن الصاق التهمة بالمتطرفين لتوجيه رسالة إلى العالم "المتحضر" لاستنهاضه ومساعدته على مكافحة الإرهاب في بلاده.
فالنظام السوري يعلن إنه "يواجه" الإرهاب "الأصولي" الاسلامي الذي يدعي الغرب مواجهته. أكثر: يريد النظام من خلال هذه المذابح والتفجيرات وما افتعل في طرابلس، وعكار والطريق الجديدة تصب في هذا الاتجاه لوصم الطائفة السنية في لبنان بتهمة الإرهاب والسلفية. الخطة واحدة، محاولة منه لاستجرار الطوائف الأخرى وخصوصاً الشيعة للانخراط في حرب أهلية، يكون فيها النظام الاطفائي! (كما كان يفعل في لبنان وفلسطين والعراق على امتداد العقود الماضية). إذ يكفي أن يرخي مواطن لحيته أو يصرخ "الله اكبر" او حتى "يا الله" حتى تثبت التهمة عليه. وقضية شادي المولوي وما ارتكبته عناصر في الأمن العام، دليل على ذلك. وما اغتيال الشيخين برصاص الجيش اللبناني (متى يطهر هذا الجيش من الذين اخترقوه؟) إلاّ اثبات لكل هذه المخططات. يريد هذا النظام ان يشعل حرباً أهلياً سنية شيعية في لبنان بأي ثمن. وإذا لم ينجح، سيحاول اشعال حرب أهلية بين السنة والسنة. أو بين المسيحيين وسواهم. (محاولة اغتيال سمير جعجع تصب في هذا الإجرام المحترف، وفي هذا العدوان الصارخ).
لكن ماذا عسانا نفعل لهذا النظام الذي "يحقق" الفشل بعد الفشل، في كل محاولاته "لاستبقاء" وجوده في سلطة لم تعد سلطة. وفي دولة لم تعد دولة. وفي جمهورية لم تعد جمهورية. ازدادت كل هذه "المؤامرات" عليه. في لبنان وفي سوريا. وفي العالم. كأن ما أراد ان يكون خشبة خلاصه (الفتنة الطائفية والذبح والمجازر) ارتد عليه. ففي لبنان نَما حَذَر حتى عند الذين يؤيدون هذا النظام، بل وريبة. فكأنه يريد ان يجعل حتى من حلفائه "وقوداً" وفي حروب ومعارك ليست حروبهم ولا معاركهم. يريد أن يوسع حربه إلى لبنان. ويريد أن يصبغ "حربه" هنا بما يحاول ان يفعله في سوريا: حرب افتراضية بينه وبين السلفيين، والقاعدة… والإرهاب! وخطاب مندوب القتل بشار الجعفري في الأمم المتحدة استكمال لعدة "النصب" التي تعودنا هنا في لبنان واستكمال لاثارة الفتنة، وتلويث سمعة لبنان، بأنه قاعدة "للارهاب"… متمثلة بطائفة كبرى، هي السنة التي عرفت باعتدالها وعروبتها وقوميتها.
هذا الجعفري الذي يلوك الكذب لوكاً ويجتره اجتراراً، يظن ان أحوال اليوم (في سوريا) وفي لبنان… ما زالت كما كانت أيام الوصاية التي رعتها أميركا واسرائيل في لبنان لضرب المقاومتين الفلسطينية والوطنية. فاسرائيل ايها الجعفري اليوم حالها في الويل. مرعوبة من احتمال سقوط النظام السوري لأنها تفقد حليفاً استراتيجياً يحمي الاحتلال في الجولان، ويعمل على تقسيم الأمة العربية وإثارة الفتن المذهبية المتنقلة وتخريب كل جهد ملموس في القضية المكزية.
الجعفري، هذا، كأنه في عالم آخر، يريد ان يوظف "مذبحة الحولة" لخدمة النظام، النظيف الكف والسريرة؛ النظام الاصلاحي الديموقراطي الذي يلتقي والغرب على محاربة الارهاب الذي ظهر فجأة في بلاده. ونذكر الجعفري بأبو عدس والحجاج الاستراليين وشاكر العبسي الذي صدّره نظامه إلى لبنان باعتباره "سلفياً" ليحدث حرباً مذهبية في لبنان. وقد بلغت قمة نظامه آنئذ باتهام تيار المستقبل بدعم العبسي خريج السجون السورية، واقبية الإجرام، والعمالة. فهذا الإسلوب "الترانسفير" يحاول نظام "الجعفري" ان يجدده في سوريا وفي لبنان وربما غداً في الأردن ومصر.. وقطر والكويت والامارات! وربما قد يجعل من الأنظمة الأوروبية إذا بقيت على سلبيتها منه انظمة سلفية ترعى "القاعدة" التي برزت كالمعجزة فجأة بين الثوار المدنيين الذين ينادون بالكرامة (هل تعرف معنى الكرامة يا بشار الجعفري) والحرية (وهل أنت مكتظ كنظامك بقيم الحرية؟) والديموقراطية (هل أنت متجذر في معاني الديموقراطية تجذر نظامك فيها)؟ رائع! ولكن كما سبق وقلنا: لم يعد أحدٌ يصدق ما تقولونه.
لم يعد أحد يصدق نظامك (ما عدا الروس). وما تروجه وتروجه الأجهزة الإعلامية من أن "القاعدة" هي التي تروع الأهالي وترتكب المذابح، وآخرها مجزرة حولة… لم تعد تنطلي على أحد. والدليل، ان أكثر من عشر دول عالمية من اليابان إلى فرنسا إلى بريطانيا، إلى استراليا… وكندا سحبت سفراءها من بلادك، لتتكاثر العزلة عليه؛ وهذا يعني أولاً وأخيراً ان هذا الاعلام الغبي الصبياني المفبرك، المخابراتي المضحك، المبكي… لم يعد يُقنع أحداً سوى بعض الفلول في لبنان: فلول "الممانعة" .. و"المصانعة" … و"المداهنة" والارتزاق! بل ونظن أن الاعلام الرسمي لا يقل فشلاً عن ممارسات النظام. وآخر ما شنّف أذني، وكحل عيني، تصريح الجعفري حول تقرير مجلس الأمن والمراقبين حول مجزرة الحولة خصوصاً عندما سئل من أحد الصحافيين: "السلطة السورية شكلت لجنة تحقيق… لكن أنتم تعرفون من أين جاؤوا، فلماذا هذه اللجنة؟" فأجاب: "لا! نحن دولة محترمة، حضارية! عندها قوانين، ومحاكمة عادلة.. نريد تحقيقاً شفافاً عادلاً..) كأنه يتكلم عن سويسرا أو السويد أو فرنسا… وليس على نظام المخابرات والمذابح والسجون والخطف والنفي والقمع! وصور التحقيق كما توقعنا متهما الارهابيين بارتكاب المذبحة! رائع! ولو ترون هذا الجعفري كيف "يتصنّع" الجدية" والصرامة وهو يدافع أمام العالم كله… عن "حضارية" دولته! لقهقهتم من الضحك! انه يتكلم بلهجة مندوبي الدول الديموقراطية عن قيم دولته الديموقراطية! رائع! والمضحك المبكي أن وزير دفاعنا المفّدى ما غيرو! ايتبنى كل ما يصدر عن ذلك الاعلام، وما تملي عليه من الأجهزة… الحليفة، وكذلك حكومة الميقاتي… إلى درجة ان السفير السوري الشاعر السابق علي عبد الكريم (كنت شاعراً جميلاً يا علي!) رد على رئيس الجمهورية الذي سفّه ادعاءات الجعفري عندما ادعى ان لبنان صار قاعدة للقاعدة! والسلفيين. والواقع أن القاعدة هو النظام السوري نفسه: فهو الذي صدّر السلاح والعنف والقتل والبطش والتفجيرات والأحزمة الناسفة إلى لبنان والعراق… فإلى سوريا نفسها. وهو الذي ارتكب مجزرة طرابلس عام 1986 عندما اعدم 900 شاب ميدانياً وبلا محاكمة تماماً كما يفعل اليوم في سوريا.. هو بيت قصيد الإرهاب والترويع… والاغتيالات: ألم يقم باغتيال كمال جنبلاط، ومهدي عامل وميشال واكد وسهيل طويلة وحسين مروة والشيخ صبحي الصالح والشيخ حسن خالد والرئيس رينه معوض والشهيد الرئيس رفيق الحريري وشهداء الأرز… وأخيراً محاولة اغتيال سمير جعجع لاشعال فتنة: وهل نظنه بعيداً عن اغتيال الشيخين، ومسألة شادي المولوي… وأحداث طريق الجديدة الأخيرة… من دون أن ننسى مجازر حماة وحمص ودرعا "الجديدتين" ومذابح حماة 1982 التي استشهد فيها أكثر من 30 ألف سوري على أيدي النظام!
إذاّ الذبح، والمجازر والاغتيال هي من سمات سلطة البعث السوري (تماماً كما كانت من سمات البعث الآخر العراقي..) فاذا تخلى عن هذه السمات والمرتكزات سقط من تلقائه كجبل من الورق.
ونظن ان "تداعيات" و"ارتدادات" ادعاءات الجعفري وصولاً إلى السفير السوري في لبنان… فإلى بعض المنابر الاعلامية التي ادركت لبنان: القاعدة تخطط لاغتيال الرئيس بري! فجأة القاعدة تستهدف بري. شيء غريب. ومن يعرف النظام وعملاءه ممن يسمون باطلاً صحافيين وكتبة، يعرف ان هذه الأخبار الملفقة جزء من محاولة اشعال فتنة شيعية سنية أو أي فتنة أخرى (وهل حاولت القاعدة أيضاَ اغتيال سمير جعجع في معراب؟) أو نوع من "التهديد" (لبري) ولسواه لعدم رضاهم عن "سياسته" او ترويع كل من يخالفهم او يؤيد الثورة الشعبية السورية. بل أن هذ الادعاء من شأنه ان يسمح للشبيحة باستباحة حدود لبنان (أين الجيش اللبناني الباسل!) وارتكاب أعمال عدوانية على النازحين والأهالي بخطفهم أو بقصفهم أو بسرقة بيوتهم ومواشيهم وممتلكاتهم! (فهؤلاء الشبيحة حرامية!) .
اذاً النظام المتهاوي لم يَعُد لديه سوى استعادة "خرافة" القاعدة في لبنان التي يصورها بنت "البيئة الحاضنة" للطائفة السنية ورموزها السياسية.. ويعين ذلك انه لم يعد لديه شيء. افلاس مطلق بعد حوالي سنة وأربعة أشهر من القتل والنسف والمجازر غير المجدية، التي شحنت الجماهير السورية المنتفضة بإصرار على متابعة معركة الحرية والكرامة.
فعنده اليوم خرافة "ارهابية" في سوريا (يمثلها هو بامتياز) وخرافة قاعدة … سلفية في لبنان … يفبركها بغباء وخبث… لاشعال فتنة مذهبية، تبرّر ما يرتكبه في بلاد محمد الماغوط ونزار قباني وسعدالله ونوس وبدوي الجبل!
لكن، اذا قسنا ما يخطط له النظام بجنون وهلوسة وفقدان اعصاب ويأس، والنتيجة على الأرض وفي الفضاء وفي العالمين العربي والعالمي نجد انه صار مجرد جسم متآكل، متناهش، ينكمش في الداخل… وينعزل في الخارج!
انه النظام الأكثر عزلة وانعزالية اليوم! حتى كأننا نشبهه بنظام دنكطاش في قبرص التركية الذي لم تعترف به سوى تركيا فحسب! فهل سيكون مآل النظام ان يصبح بقعة دنكطاشية معزولة، يتعلق مصيرها بروسيا… كما يتعلق مصير "جمهورية" قبرص التركية… بتركيا!
رائع؟