أن تقرأ سمير قصير وتتابع مقالاته وكتبه، يعني أن تقرر موقفاً واضحاً منه، فلا يمكن لقارئ بيان "الحلم" مثلاً أن يتخذ موقفاً حيادياً مجانباً متهرباً، فـ "الحلم" الذي كتبه سمير قبل استشهاده بعبوة ناسفة تحت سيارته قبل سبع سنوات، لم يكن إلا بعضاً من الأفكار التي ناضل من أجلها.. إذاً الموقف من سمير قصير هو أمر مختص بما يكتب وقتله في ذلك اليوم لم يكن إلا محاسبة له على مواقفه الواضحة مما يحصل في لبنان أيام وصاية النظام السوري وكذلك مساهمته في "انتفاضة الاستقلال".
استشهد سمير قصير في ذلك اليوم الصيفي، وبكاه كثر من رفاقه، وخانه كثر ممن دافع عنهم واضطُهد من أجلهم، وحمل هؤلاء الخونة في لحظة واحدة الإشاعة التي أطلقها القاتل وداروا بها وصاروا شركاء فيها ليتساووا بقرارهم مع المجرم قبل أن يصيروا حلفاء له.
في "بيان الحلم" كتب سمير: "ما نحلم به، ثقافة ديموقراطية تستعيد زخمها لتساهم في تجديد الديموقراطية العربية، ثقافة تنحاز لتحرر فلسطين ولا تخشى حرية سوريا ولا العراق". يومها كان الرجل يحلم لشبان دمشق أن يصير لهم دولة وأن تكون ديموقراطية وحرة ومسؤولة أمام مواطنيها، كان يدرك حجم الخوف ويعلم قدرة المجرم "الأسدي" على القتل ولكنه بالتأكيد ورغم سماعه الكثير عن مجزرة حماه لم يكن ليصدق ما نراه ونسمعه اليوم عن المجازر التي يتعرض لها السوريون.. وخصوصا قتل أطفالهم والتمثيل بجثثهم وتعذيبهم، والأسوأ هو صمت العالم وقيامه فقط بطرد السفراء من دون وضع ضغوط حقيقية توقف القتل وتمنع المجازر.
سمير في ذلك اليوم الذي سبق اغتياله كان يشارك في نقاش داخل حركة "اليسار الديموقراطي" التي أسسها مع حكمت العيد والياس عطاالله والياس خوري وزياد ماجد وزياد صعب وحنا صالح وغيرهم من مجموعات يسارية حول المشاركة في الانتخابات النيابية، كان ديموقراطياً للآخر ويدافع عن رأيه للآخر ولم يكن من السهل تغيير آرائه ولكنه في الوقت نفسه كان مستمعاً جيداً للآخرين ويحترم مواقفهم من كل شيء، وخصوصاً الاختلاف في الرأي.
كيف يمكن لسمير قصير في ذلك الأسبوع الأخير من حياته أن يتحول فجأة من محرك اساسي وعضو قيادي في حركة اليسار الديموقراطي ومن كاتب في صحيفة "النهار" إلى جثة هامدة لا تتحرك وحولها أوراق مبعثرة وكتب لم ينته من قراءتها؟!. هذا الشيء لم يكن ليحصل لو لم يكن هناك حكومات "مارقة" ومجرمة، وهناك أيضاً من حضر الأجواء للقتل وساهم فيه عبر أجهزة أمنية مخترقة، وكذلك هناك من وجد نفسه جزءاً من هذه المنظومة فصار مساهماً اساسياً فيها.
إذاً، لم يكن لسمير قصير أن يُقتل لو كان في دولة أجهزتها الأمنية تعمل لحماية الناس بدل التلهي في "الرقابة" والمراقبة والمتابعة والملاحقة وأخواتها.
ذهب سمير قصير إلى موته كجزء من ثقافة القتل الممتدة في تاريخ لبنان الحديث وتاريخ النظام السوري في لبنان، منذ ثلاثينات القرن الماضي وصولاً إلى الخمسينات والسبعينات مع اغتيال سليم اللوزي ورياض طه والثمانينات مع اغتيال حسين مروة ومهدي عامل وسهيل طويلة ومصطفى جحا وغيرهم كثر. ثقافة القتل هذه ولدت خوفاً عند كثيرين وولدت هجرات مختلفة لن تتوقف إلا مع بناء نظم ديموقراطية حرة كما كان يحلم سمير ورفاقه.. دول لها القدرة على حماية الرأي وتنظيم الاختلاف تحت سقف القوانين كما هو الحلم في بيان سمير.
في "بيان الحلم" قال سمير: "اذ ندرك تماماً ان اختلافاتنا الفكرية والسياسية والطائفية تبرّر عند البعض القنوط والسلبية، فإننا ندرك ايضاً ان حلمنا بوطن معافى يقوى باجتماع هذه الاختلافات. فما نحلم به بسيط بساطة الايمان بالغد… ما نحلم به، بلاد تنهل من اختلافاتها لتحولها مصدر قوة وتماسك، بلاد متحررة من قيود الأنانيات الطائفية والعائلية".
قُتل سمير قصير قبل أسبوعين من اغتيال جورج حاوي، كان القاتل يتابع مهمته التي بدأها مع محاولة اغتيال مروان حمادة وتبعها مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري وباسل فليحان وغيرهم من شهداء انتفاضة الاستقلال.. ولكن القاتل لم يكن يعلم أن الشعوب تبدل من حيويتها ومزاجها ومن صبرها وتتحرك وفقاً لقناعاتها وهو ما حدث مع ثورة الشعب السوري الذي استطاع أن يعطي لسمير قصير بعضاً من حقه.. فقد أعطاه ثورة كاملة يحاول النظام والمتخلفون أن يعيدوها إلى الوراء، ولكن كما يتضح هي ثورة تتقدم لتطيح بثقافة الموت والقتل لتقدم رغم الأخطاء نموذجاً حقيقياً عن دولة "الحلم" التي كتبها سمير قصير.
يوم استشهاد سمير كان اصدقاؤه في باريس يتابعون حياتهم العادية وأخبار الانتخابات في لبنان، يومها وصلهم الخبر، تقول داليا إنها تتذكر بدقة تفاصيل ذلك اليوم. كانت قد ذهبت الى العمل من دون ان تصطحب هاتفها المحمول معها. "العمل في المختبر كان كثيفاً مما أبعدني عن حاسوبي لفترة طويلة. اثناء استراحة الغداء، سرقت النظر نحو بريدي الالكتروني، فرأيت رسالة من صديقي يقول لي فيها اتصلي بي بسرعة. فلم افعل لأنني ذهبت الى اجتماع طارئ. وعدت بعدها الى الحاسوب لأرى رسالة اخرى من صديقي تقول اتصلي بي فالموضوع مستعجل، فقلت حسناً سوف افعل بعد قليل، ولكن لم يحتمل صديقي هذا الانتظار القصير فالخبر كان شديد الوطأة عليه فكتب لي رسالة اخيرة في ذاك النهار ليقول لي: اتصلي بي، لقد قتلوا سمير قصير! لا اقدر وصف المشاعر التي رافقتني عند قراءتي لهذه الكلمات ولكن زملائي (الفرنسيين) في العمل ارادوا ان يعرفوا ما صلتي به من شدة الحزن الذي لفني، فقلت لهم قريبي، لانني اعتقدت وقتها انه التعريف الوحيد لسر الحزن الذي يكاد يقتلنا جميعاً، نحن الذين كنا قد رأيناه لآخر مرة قبل شهر او اقل في مكتبتي هاشم وبشير يضحك ويحلل ويبهرنا بالأمل الذي يخرج من عينيه الجميلتين!
خرجت من المستشفى وتوجهت نحو مكتبة بشير لأجد الجميع، جميع رفاق سمير في باريس، كانوا محطمين، الخبر جعلهم مجهولي الملامح، كان احدهم يجلس على الكرسي ويتطلع الى خشباتها، يصفع وجهه بيديه ويقول هنا جلس قبل اسابيع وتطلع الى رفوف الكتب المتناثرة حولنا، كأنه يريد ان يقول طوبى لهذه الكتب التي اقامت وشوشات سرية معه قبل الرحيل. ربما تبادلا دمعات خفية كعلامات على الوداع الاخير.
اشتقنا لك يا سمير ولعطر الياسمين الطالع من كلماتك الحرة! وكم افتقدناك ونحن نرى جنائن الورد المتنقلة في انحاء سوريا وهي تشير الى بداية الربيع الذي تنبأت له وكتبت عنه!.
هكذا يحكي رفاق سمير عنه كأنه هنا وليس في مكان آخر، فالثورة السورية أعادت إلى الذاكرة الكثير من الأحلام وأعادت لبيان الحلم مكانته التي كاد يفقدها بسبب ثقافة القتل.