تتابع السلطات التركية موضوع اللبنانيين المخطوفين في سوريا باهتمام وحرص شديدين، ليس لأنّ الأمر يتعلّق من جهة بالملفّ السوري الملتهب أصلاً، وبعمل تركيا على المساعدة قدر الإمكان لاحتوائه ومنع شرارته من الامتداد خارج سوريا، بل لاهتمام تركيا أيضاً بما يجري في لبنان لا سيّما إثر بروز معطيات متعدّدة تشير إلى رغبة بعض الجهات في إحداث فوضى مضبوطة في بعض المناطق اللبنانية وربطها بموضوع الإسلاميين "الإرهابيين" و"القاعدة" لخلط الأوراق وتشتيت الأنظار.
هذا الأمر يتوافق مع مسار النظام السوري أخيراً لاستخدام ورقة "القاعدة" في التغطية على الجرائم بالقول إنّ ما يجري هو مكافحة للإرهاب، وهو ما يتطلّب بدوره تعاون الغرب بدلاً من الضغط الذي يمارسه على سوريا!
ويتوافق هذا التشخيص التركي لخطورة الوضع في لبنان وضرورة احتوائه مع توجّهات دول عربية عديدة لها الخبرة الكافية بسلوك النظام السوري وطريقة تفكيره والمجموعات الموالية له، ومنها المملكة العربية السعودية التي كانت وجّهت دعوة مماثلة إلى جميع اللبنانيين للالتقاء والوحدة.
وكان رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان قد أبلغ رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي خلال لقائهما، الذي شهد حديثاً مفصّلاً عن العلاقات الثنائية والتطورات في المنطقة، مدى حرص تركيا على سيادة لبنان واستقلاله كما على استقراره السياسي واستعدادها في هذا المجال لدعم لبنان بشكل كامل.
وفي قضية المخطوفين اللبنانيين، قال مصدر مقرّب من السلطات التركية وعلى اطلاع بالملف لـ"الجمهورية" إنّ "السلطات التركية تقوم بمجهود حثيث لإطلاق سراحهم خصوصاً أنّ هناك مصلحة تركية في عدم خروج الأمور عن السيطرة، أو أن تتحوّل عن مسارها في سوريا أو في لبنان". وكشف المصدر أنّ "التواصل مع الجهات الخاطفة يتمّ من خلال جهتين أساسيتين، هما وزارة الخارجية والاستخبارات التركية، وهناك تكتّم شديد في إعطاء معلومات عن طبيعة هذه الجهود ومسارها والتقدّم الحاصل في الملف".
وعزا المصدر التخبّط الذي شهدته القضية في وقت سابق لجهة الإفراج عن المخطوفين إلى "قضايا ترتبط بالخاطفين أنفسهم وبمطالبهم، علماً أنّ التواصل مع المخطوفين بطرق متعدّدة قد يكون أسهم بذلك أيضاً خصوصاً أنّ وزارة الخارجية تتواصل مع الخاطفين بطريقة غير مباشرة، لكنّ الأكيد الآن أنّ المخطوفين ليسوا في تركيا وهم بصحة جيدة".
من جهته، لفت مصدر سوري على اتّصال مع الجهات الخاطفة في سوريا لـ"الجمهورية" إلى أنّ "المجموعة الخاطفة لا تنتمي إلى الجيش الحر ولا حتى إلى مجموعات أخرى أكثر شهرة في ما يتعلق بالعمل في حلب وريفها، وهي مجموعة مستقلّة تعمل من تلقاء نفسها وتعتقد بأنها تُسهم عبر جهودها هذه في تسليط الضوء على الموضوع".
وعن اتّهام بعضهم بأنّ المجموعة تعمل للتخريب على الثورة أو أنّها تابعة لجهاز أمني سوريا، نفى المصدر صحة هذه المعلومات، وقال: "بعض الشباب خطفوا اللبنانيين في ريف حلب ثمّ سلّموهم إلى مجموعة أخرى تبدو أكثر تشدّداً في المطالب مقابل الإفراج عنهم.
وترى هذه المجموعة أنّه من غير الجائز تسليم المخطوفين اللبنانيين مجّاناً خصوصاً بعدما جاء الرد معاكساً للنيات الإيجابية والحسنة التي تضمّنت فعلاً الاتّفاق على الإفراج عنهم، لا سيّما من الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي أعاد تأكيد دعمه للنظام السوري ما يشير إلى غطرسة وعجرفة متعمّدة بدلاً من مراجعة الذات والموقف العام من الشعب السوري الذي يتعرّض إلى مذابح تفوق كلّ تصوّر، آخرها مجزرة الأطفال والنساء في الحولة التي تمّت بالتزامن مع هذه القضية".
وعن مطالب الخاطفين، أعلن المصدر أنّها "تتلخّص مبدئيا باعتذار الأمين العام لحزب الله ومراجعة موقفه، إضافة إلى الإفراج عن عدد من المعتقلين لدى السلطات السورية من بينهم المقدّم حسين هرموش وهو من أوائل المنشقّين عن الجيش السوري".
وتعليقاً على المعلومات التي قالت إنّ السلطات السورية أعدمت هرموش، أجاب المصدر: "قد يكون الهدف إحراج السلطات السورية ودفعها إلى إعلان ذلك على الملأ"، نافياً مطالبة المجموعة بأيّ مبالغ مالية كانت وسائل إعلام قد تحدّثت عنها.
ووفقاً للمعطيات المتاحة من تركيا، يبدو أنّ جهود الإفراج عن اللبنانيين المختطفين ليست سهلة، ومن المتوقّع أن يأخذ الملف مزيداً من الوقت وقد لا تنتهي القضية بالسرعة التي يرجوها أهالي المخطوفين خصوصاً إذا بقيت المعطيات على وضعها الحالي من دون تراجع من أيّ طرف لا سيما "حزب الله" والنظام السوري.