كل طائفة قادرة على تعداد المرات التي وقفت فيها إلى جانب الجيش اللبناني، حين كانت طائفة أخرى تناصبه الخصومة.
مرة لهم عليه، ومرة له عليهم. هذا التجاذب أوضح تعبير عن مأزق النظام اللبناني. ليست العلة في الجيش، وليس "هو الحل".
العلة في النظام، والعلاج هو تغيير النظام. وما دام تغيير النظام غير متاح، الجيش في وضع لا يُحسد عليه. كلما أدى له فريق تحية تقدير، وجد فريقاً آخر لا يُسمعه إلا صرير الأسنان.
أن يقدِّم الجيش ثلاثة رؤساء للجمهورية، ورئيس نصف حكومة، فهذا دليل على هشاشة "النظام اللبناني"، وديموقراطيته المزورة. يهربون إلى المؤسسة العسكرية ليتفادوا البحث في جوهر الأزمات.
في هذه "المعارك الداخلية"، اعتقد أنّ جيشنا ليس مميّزاً بكفاية التدريب والقتال فحسب، ففي رأيي ميزته الأساسية صموده أمام الأذى السياسي. وأحياناً كثيرة عدم وقوعه في تجربة الترغيب. الانضباط سلاح جيشنا الفعال لحماية نفسه وحماية شعبه.
في دول الديموقراطية الصحيحة، هموم الجيوش من نوع آخر. التسلح. التدريب. وأحيانا إقناع السياسيين بأن الحروب غير مجدية!
ثلاثة قادة للجيش، ورابع، دخلوا القصر من الثكنة. تَشابَهَ المأزق الذي دفعهم إلى القصر، ولكن لم تتشابه الظروف والخصال والقماشة.
أقسى ضربة تلقاها الجيش جاءته من ذلك الذي رفع شعار "الجيش هو الحل". وحتى لا نغرق في التفاصيل، النتائج أفضل جواب. استشهاد مئات العسكريين، وتدمير الأسلحة والبنية اللوجستية، وسَوْقُ الضباط إلى المعتقلات السورية، ومحاولة تأجيج الكراهية بين هذه المؤسسة وفئة سياسية عريضة.
"الجيش هو الحل" لإنقاذ الوطن، ولدحر الاحتلالين السوري والإسرائيلي. أما النتيجة فكانت "الطائف" الذي أجبر الضباط أنفسهم، الذين حاربوا السوريين، على أن يأتمروا بأوامر النظام الأمني اللبناني – السوري. أحيانا سخرية الرهانات الخاطئة جارحة ولا ترحم. ذلك شيء من رابعهم، ميشال عون. ماذا عن القادة الثلاثة الآخرين؟
صحيح أن فؤاد شهاب دخل إلى القصر الجمهوري لأنه "قائد الجيش"، وصحيح أنّ ذراع مخابراته كانت قوية، ولكن هذا الرجل تحوّل "رجل دولة"، وبدا فوق المؤسسات العسكرية وفوق الإقطاعات السياسية. فؤاد شهاب حكم الجيش والجمهورية، ولم يحكم الجمهورية بالجيش. أحياناً تُفاجئ هذه المؤسسة العالم برجال تاريخيين لأوطانهم.
فؤاد شهاب اللبناني.
أيزنهاور الأميركي. ديغول الفرنسي. وأحياناً أخرى يأتي أشخاص مثل ميشال عون، واميل لحود.
الرئيس ميشال سليمان على طريق شهاب في الممارسة، ولكن بعدما اختلف النظام إضافة إلى اختلاف الأسلوب والشخصية والدور. ميشال سليمان جاء من الجيش لكنه لا يحكم بالجيش، وليس الجيش من أدوات حكمه. على العكس من ذلك، تراه يشعر بالنصر كلما نجح في حماية الجيش من السياسيين!
في زمن الوصاية، هذه المرة العسكر يحكم. قرّر السوري حكماً عسكرياً، تخلّت القبضة السورية عن قفازها المخمل وبدت على حقيقتها. عسكر هناك يحكمون بعسكر هنا.
ارتاحوا من عبد الحليم خدام، فغابت وجوه لبنانية وظهرت وجوه. والحقيقة تقتضي القول إنّ كثراً من غزلان خدام عاندوا وناوروا، ومراجعتهم السياسية بدأت وفق "مكره أخوك لا بطل".
لا شيء يمنع أو يضرّ إن أصبح السياسي بطلاً، بعد كبوة أو زلّة أو أخطاء. أليس الرجوع عن الخطأ، فضيلة؟
في ضوء ما سبق، يبدو أنّ أفضل خدمة يمكن أن نساعد بها جيشنا، هي ألّا ننزل إلى الشوارع مؤيدين، أو معترضين. في الحالين ستلحقه الأذية. دعوه وشأنه لشأنه. لدوره.
إذا كنّا فعلاً نعتقد بأننا دولة ديموقراطية، فتظاهرات التأييد للجيش أو الاعتراض عليه، ليست ممارسة ديموقراطية، بل هي اقرب إلى التقليد الديكتاتوري.
في الديكتاتوريات، الجيش يحرّك تظاهرات التأييد، أو يتحرّك الشعب في تظاهرات مضادة. سوريا اليوم، أصدق مثال.
في الديموقراطيات الجيش يُكرَّم. يُحترم. التأييد لا يعني دائما تكريماً أو احتراماً. قد يكون استغلالاً، أو استثماراً، أو مأرباً غير شريف.
يعجبني في الرئيس سليمان صدقه مع نفسه. يعرف أنّ زمن شهاب ولّى. ويعرف كيف لا يبني أوهاماً ويصدقها مثل ميشال عون. ويعرف كيف يحفظ الكرامة الوطنية، ويمسك العصا من نصفها.
تشبّهاً بشهاب يسمح سليمان أن يُنتقَد، ولا يحقد على ناقد ولو زادها. سليمان عسكري في الثكنة، ومدني في القصر. عون لم يتخلَّ عن زيه العسكري، وارتدى فوقه ثياباً مدنية بربطة عنق برتقالية. المهرجون أيضاً يخلطون أنواع الثياب والألوان. ولهم "شعبية".