كتبت صحيفة "الراي" الكويتية:
بدا لبنان امس عيناً على نتائج المحادثات المزدوجة التي عقدها الرئيس اللبناني ميشال سليمان في السعودية مع الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس السابق للحكومة زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري، وعيناً أخرى على «القنبلة السياسية» التي فجّرها الامين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله (في خطابه اول من امس) بدعوته الى عقد «مؤتمر تأسيسي وطني يضع مرتكزات دولة حقيقية قوية فاعلة».
واذا كان الاهتمام «الاستثنائي» بفحوى محادثات سليمان في السعودية مردّه الى رصد مدى تأثيره على موقف 14 آذار ولا سيما الرئيس الحريري من دعوة سليمان الى استئناف جلسات الحوار الوطني في 11 الجاري وسط اعتبار افرقاء في 8 آذار ان الرياض ستمارس «نفوذها» على زعيم «المستقبل» و 14 آذار لحضّهم على المشاركة في الحوار في مقابل ملامح ثبات المعارضة على موقفها المتحفّظ والداعي الى «استقالة الحكومة اولاً»، فان الطرح الذي «عاجَل» السيد نصر الله به الوسط السياسي اكتسب دلالته من منطلقين:
* في الشكل اذ بدا انه تجاوز موضوع طاولة الحوار وجدول أعمالها ومرتكزاتها.
* وفي المضمون، اذ عبّر بحسب اوساط مراقبة عن اول «رغبة رسمية» من «حزب الله» في مقاربة المسألة اللبنانية من زاوية الغمز من قناة الحاجة الى اصلاحات سياسية – دستورية «تأسيسية» على طريقة ما تشهده بعض الدول العربية المحيطة، علماً ان السيد نص الله حرص على وضع «اطار الحل» هذا في سياق استباق او تفادي «لغة المدافع» التي سادت سابقاً اذ ذكّر بـ «اننا نتقاتل منذ ثلاثين سنة ويجب ان نرتاح، ولذلك أدعو الى عقد مؤتمر حوار وطني، وليس فقط طاولة حوار وطني، مؤتمر تأسيسي أو مجلس خبراء جديد، فهناك من يتكلم عن الطائف وتنفيذه وهناك من يقول بتطويره، وهناك من يقول بالعلمنة، وهناك من يقول بالغاء الطائفية السياسية وهناك من يقول بالتوافق على عقد اجتماعي جديد، فما المشكلة اذا كان هناك مؤتمر تأسيسي وحوار كيف نبني دولة، والا فسنبقى مياومين في السياسة».
وفي حين اعتبرت اوساط قريبة من فريق 8 آذار ان ما طرحه الامين العام لـ «حزب هو «خطاب تأسيسي تاريخي للحزب، ولا سيما انه يرتكز الى ثقافة بناء الدولة بكل مندرجاتها، وهو يحمل في طياته اقراراً بان المدخل الوحيد للخروج من المأزق الحالي هو بولوج خيار الدولة القوية القادرة العادلة، التي أفرد السيد نصرالله للحديث عنها الجزء الأكبر من مداخلته حول الاستراتيجية الدفاعية في العام 2006»، فان قوى 14 آذار سارعت الى قراءة كلام نصر الله على انه نسف لاتفاق الطائف وتمهيد للمثالثة وقيام «دولة ولاية الفقيه».
وفي هذا السياق قال منسق الامانة العامة لقوى 14 آذار فارس سعيد ان ما اقترحه السيد نصرالله عن المؤتمر التأسيسي «يعني تجاوز ميثاق عام 1943 واتفاق الطائف الذي اصبح دستورا بعدما كلفنا 120 الف قتيل و240 الف جريح و10 آلاف مفقود ومعاناة لا تزال اهتزازاتها قائمة حتى اليوم، وتاليا فانه يدخلنا في مسار الى المجهول». واضاف: «كما يقترح نصرالله مقايضة بين سلاحه والصلاحيات الدستورية وان هناك شركاء له في هذا الطرح وهو واهم في ذلك. ولا يخفى انه يهدد بالمدافع فيما اذا لم تجرِ الاستجابة لمقترحاته».
كما رأى النائب عمار حوري (من كتلة الحريري) ان ما اقترحه السيد نصر الله «دعوة لنسف الطائف، ودعوة للمثالثة التي روج لها حزب الله والجانب الايراني في مؤتمر «سان كلو». وقال: «واضح ان حزب الله يشير الى المثالثة عندما أعطى نصر الله اشارة الى المؤتمرات التأسيسية التي تعقد في الدول العربية المحيطة، وكانه يقول بانه يريد ان يعيد الأمور الى نقطة الصفر، خصوصاً وانه ذكّر بان اللبنانيين خلال السنوات الثلاثين الماضية لم يتفقوا على شيء».
وأضاف: «واضح أيضاً من كلامه انه على مستوى الداخل أخذ الأمور الى نقطة البداية، بمعنى نسف الدستور ونسف الميثاق الوطني أي الطائف».
اما صحيفة «المستقبل» فاعتبرت في في تعليقها اليومي امس ان «دعوة نصر الله الى مؤتمر تأسيسي هدفها تقبل التعازي بالدستور».
وقد أرخى هذا السجال المستجدّ المزيد من الغموض على مصير طاولة حوار 11 يونيو التي حضرت بقوة خلال زيارة سليمان للسعودية اول من امس، والتي لن تغيب عن المحادثات التي يجريها اليوم في الكويت مع سمو الامير الشيخ صباح الاحمد الصباح والتي ستتركز على العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيزها، اضافة الى موضوع منع سفر الكويتيين الى لبنان والوضع العربي العام والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الاوسط.
وعشية زيارة الكويت، وهي المحطة الثانية في جولة عربية ستحمل سليمان بعدها للامارات العربية المتحدة وقطر في مواعيد لاحقة، انهمكت الدوائر السياسية في التحري عن خلاصة لقاء رئيس الجمهورية مع العاهل السعودي ثم مع الحريري في حضور وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل على مأدبة الغداء التي اقامها الاخير على شرف الرئيس اللبناني.
ويمكن اختصار ما سمعه سليمان من العاهل السعودي بالآتي:
* تأكيد وقوف المملكة الى جانب لبنان بكل فئاته ومكوناته وطوائفه، وانها على مسافة واحدة من الجميع مع التشديد على دعم لبنان بكل الامكانات.
* تشديد الملك عبد الله على اهمية الحوار في ظل الظروف الراهنة، مشجعاً اللبنانيين على ان يذهبوا الى الحوار لصون سلمهم الاهلي وحفظ الامن والاستقرار، ومنع انزلاق بلدهم الى اوضاع لا يريدها اللبنانيون المخلصون.
* اعلان الملك السعودي رداً على طلب الرئيس سليمان مساعدة المملكة لتأمين اطلاق المخطوفين اللبنانيين الـ 11 في سورية، ان السعودية ليس لها علاقة بأحد في هذا الموضوع، وهي لا تعرف عن أحد شيئاً، واذا كان لها من مساعدة فستكون معنوية من خلال اتصالاتها مع اصدقائها في المنطقة، ومع تركيا على وجه الخصوص.
* تأكيد خادم الحرمين الشريفين رداً على استفسار سليمان عن منع رعايا دول خليجية من السفر الى لبنان وعما اذا كان هذا القرار سيشمل ايضا رعايا المملكة، ان السعودية لم تصدر اي امر بمنع سفر رعاياها الى لبنان، ولا طلبت من الموجودين فيه المغادرة، لكنها حذرتهم من الاوضاع الراهنة، وحثتهم على ان يكونوا جاهزين، كأي دولة تحرص على رعاياها، بالاجلاء في حال تفاقمت الاوضاع سلباً في لبنان.
اما في ما خص اللقاء بين سليمان والرئيس الحريري وهو الاول بينهما منذ اسقاط حكومة الاخير في يناير 2011 وقد حصل بناء على طلب رئيس الجمهورية قبل توجهه الى السعودية، فتميّز بان الامير سعود الفيصل استهلّه قائلاً بغصة ملحوظة «كلما نظرت الى الشيخ سعد أتذكر المرحوم الرئيس رفيق الحريري. كان أخاً ورفيقاً لسنوات طوال، وله أثر كبير في نفوسنا ووجداننا، واغتياله كان مؤلماً جداً لنا».
وبحسب صحيفة «السفير» فقد أثنى سليمان على كلام الفيصل، مشيداً بمزايا الراحل الكبير ودوره على الصُّعد اللبنانية والعربية والعالمية، لافتاً الى ان «نخوة الرئيس سعد الحريري خلال الأحداث الأخيرة في لبنان ذكرتني بمواقف والده الراحل رفيق الحريري الذي كان يسارع الى المساعدة حتى لو لم يكن أحيانا في سدة المسؤولية».
وبعدها اشارت تقارير الى ان سليمان شرح ظروف دعوته الى عقد هيئة الحوار، لكنه لم يطلب من الرئيس الحريري جوابا عن هذه الدعوة ولا اعطى الاخير جوابا عنها، بل جرى عرض لواقع الحوار وما يمكن ان ينتج منه.
ووفق معلومات، فقد عرض الحريري كل مراحل الحوار السابقة منذ العام 2006 وانتهى الى خلاصة مفادها: «نحن لا نريد الحوار لأجل الحوار، ولكن نريد الحوار للوصول الى نتائج». وأرفق ذلك بثلاث لاءات: «لا نقبل ان نكون غطاءً للحكومة الحالية. لا نريد ان نكون غطاءً لما يسمى سياسة النأي بالنفس التي تترجم يومياً انتهاكاً سورياً للسيادة اللبنانية. لا نريد ان نحقق مآرب الفريق الآخر عبر اخراجه من مأزقه الراهن».
وتوجه الحريري الى رئيس الجمهورية قائلاً: لسنا نحن من عطل الحوار، ولسنا نحن من أسقط حكومة الوحدة الوطنية، وبالتالي فان الحوار يجب ان يتم على أسس، أولها، تشكيل حكومة حيادية. ثانيها، بت موضوع السلاح. ثالثها، الالتزام بما يقرر وتنفيذه»، داعياً رئيس الجمهورية الى عقد اجتماعين منفصلين بينه وبين كل من فريقي 8 و14 آذار للاستماع الى وجهة نظر كل منهما، قبل الدخول في الحوار، «خاصة انه ستترتب سلبيات على الحوار اذا انعقد وفشل».