قومت مصادر سياسية محايدة وأخرى في قوى 14 آذار ايجاباً ما تضمنته كلمة الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله لجهة ما عرضه من منطق حول الحاجة الى الدولة. اذ في هذه النقطة بالذات يلتقي ولو من دون ان يعلن ذلك مع خصومه في الطرف الآخر الذين رفعوا في الاعوام القليلة الماضية شعار "العبور الى الدولة" وآخرها كانت الوثائق التي قدمها تيار "المستقبل" وقوى14 آذار بجميع افرقائها في مناسبتي 14 شباط و14 آذار الماضيين من دون ان تلقى هذه الوثائق ردود فعل ايجابية. الا ان المنطق الذي قدمه السيد نصرالله اعتبرته المصادر المعنية نقلة نوعية اذ بدا لها انه يقول بالعبور الى الدولة وان بناء الدولة هو هدفنا وهي الحل لجميع الاشكاليات، وهذا في حد ذاته منطق مهم خصوصا ان السيد نصرالله عرض لمبررات ذلك من "ان الامن والسلم الاهلي هما نتائج عملية متكاملة فيها الثقافي والتربوي والقضائي والسياسي.. على ان من يملك هذه العناصر هو الدولة فقط". وقوله ايضا "اننا اذا اردنا لبنان آمنا يعيش سلمه الاهلي.. نريد مؤسسات الدولة".
وهذه الايجابية التي تضمنها هذا المنطق يمكن ان تعطف عليها ايجابية اخرى تشكل جامعاً مشتركاً مع الافرقاء الاخرين في البلد اذ لا خلاف في الجوهر على ضرورة الانتقال الهيكلي لاعادة بناء الدولة وتقويتها علما انه امر بعيد المدى ويتخطى المهلة النموذجية او المبدئية التي حددها الامين العام لـ"حزب الله" بستة اشهر او سنة. لكن لعملية الانتقال التي وضع الامين العام للحزب اطارا او عنوانا كبيرا لها هو انشاء هيئة تأسيسية تعد لعقد اجتماعي جديد ومقومات اساسية تقوم وفق هذه المصادر على البحث اولا عن الجوامع المشتركة بين الافرقاء والاتفاق على كيفية حماية الدولة في ظل وجود سلاح خارجها. ويظهر التباين في الواقع على مستويين على الاقل وفقا لما تقول هذه المصادر: الاول ان الحاح حماية البلد في هذه المرحلة من المخاطر التي تتهدده او من تداعيات الازمات الاقليمية توفره الدولة التي هي من يتولى التفاوض في موضوع المخطوفين مثلا كما يتولى الجيش الامن والدفاع عن الدولة. مما يعني ان هذا الامر يحتاج الى امر تنفيذي لا يحتمل الاعداد البعيد المدى لبناء الدولة الذي قد يأخذ سنوات ما لم يكن هذا الكلام يعني تأجيل البحث في سلاح الحزب الى ما بعد بناء الدولة الفاعلة والحامية فيما تشكل مؤسسة الجيش اللبناني نقطة التقاء وتأييد وثقة لدى الجميع بحيث يمكن الركون الى الدولة من هذا الجانب وتدعيمه على الاقل قبل اي شيء آخر. فهذا العنصر هو في صلب حماية لبنان ويمكن تعزيز ذلك عبر برمجته بحيث لا يتطلب اشهرا طويلة.
اما المستوى الآخر فهو ان الارضية الصلبة لحماية البلد تكون وقبل البحث في خطة بعيدة المدى عبر سلطة تنفيذية تتمتع بثقة جميع افرقائه، في حين ان الوضع الحالي لا يتسم بهذه المواصفات بحيث يمكن اعتبار ان الدخول الى عملية انقاذية يتم عبر رجل عرجاء باعتبار ان الحكومة تمثل فريقا ولا تمثل الجميع. ولذا ترى هذه المصادر ان المنطق يقتضي الاتفاق على حكومة يلتف حولها اللبنانيون وليس ضرورياً ان يكون الافرقاء من ضمنها وتحظى بدعم الجميع وثقتهم. كما يضاف الى ذلك ان هذا المستوى اي وجود سلطة تنفيذية ضامنة هي فوق الجيش وتتكامل معه كعنصر من عناصر انقاذ البلد في هذه المرحلة في حال كان الحافز للكلام الذي اطلقه السيد نصرالله العمل معا من اجل انقاذ لبنان من تداعيات ما يحصل في المنطقة. يضاف الى ذلك ان التقدم عبر هذه الخطوات يعزز الثقة ويعزز امكان الدخول في عملية مكاشفة حول اي دولة نريد وكيف. فهذه النقاط في حال تم التوافق على مبدأ انقاذ البلد وحمايته هي مدخل الى الحوار بروحية توافق وتعاون. اذ ابعد من الكلام المبدئي العام الذي يمكن ان يلقى استحساناً، هناك مشكلة ثقة في هذه الحكومة وعجز عن التعاون في ما بينها اولا ومع الاخرين في الداخل ايضا. اذ كيف يمكن التعاون على انقاذ البلد وقوى 8 آذار تماحك في الحكومة منذ تأليفها قبل سنة حول تمويل المحكمة الدولية التي تم الاتفاق عليها على طاولة الحوار وقد اعدت وزارة المال في الايام الاخيرة موازنة 2012 وهي تتضمن قانون برنامج حول المحكمة الدولية. وتشكك هذه المصادر في اقرار الموازنة لرفض هذه القوى الموافقة رسميا على تمويل المحكمة. كما ان قوى 8 آذار تتعثر في مسألة معالجة الانفاق المالي لرفضها تسوية انفاق حكومات سابقة اعتمدت الاسلوب نفسه في الانفاق الذي اعتمدته هذه الحكومة حتى الان وشارك فيها "حزب الله" وحركة "امل" وكان لهما نصيب كبير من هذا الانفاق. فاذا لم يكن هناك تعاون حول مسائل مهمة ولو ثانوية قياسا على انقاذ البلد وحمايته، فهل يمكن الذهاب الى عملية تأسيسية او الى عقد اجتماعي جديد؟ اضف الى ذلك ان عامل الثقة مفقود كلياً بين الافرقاء على وقع عناوين وشعارات سوقها الحزب بقوة في مراحل سابقة وتراجع عنها حين وضع يده على السلطة تتصل بما سمي "الديموقراطية التوافقية" او "الثلث المعطل" او "الضامن" في الحكومة وهي عناصر رفضها لخصومه بعد انقلابه على الحكومة السابقة.
لذلك فان مقاربة السيد نصرالله على ايجابيتها في موضوع بناء الدولة والعمل عليه تظهر بالنسبة الى هذه المصادر عنواناً فضفاضاً وتكبيراً للحجر من حيث وضع موضوع سلاحه الى ما بعد تأسيس لبنان الجديد ووجود الدولة القادرة. وهي ربما تجيب على تململ او على اشكالية في الشارع الداخلي بحيث يحمل الدولة مسؤولية ما يجري في ظل عجز الحزب عن القيام بذلك على رغم فائض القوة لديه. الا انه مع الاقرار حول ما جاء في كلمته حول ضرورة بناء الدولة وحتمية ووجوب ان يحصل ذلك وفق ما تقول هذه المصادر، فان الطريقة المقترحة ليست هي المدخل المناسب لذلك.