#dfp #adsense

عن لبنانيّي النظام السوري في مرحلة قرب انهياره

حجم الخط

أغرب ما يطالب به لبنانيو النظام السوري، بعيدا عن دفاعهم عنه في مواجهة ثورة شعبه ضده منذ اكثر من أربعة عشر شهرا، حكومة بلادهم أمران اثنان: أولهما، تنفيذ الاتفاقات المعقودة بين البلدين في اطار ما يسمى "معاهدة الأخوة والتعاون"، وبخاصة منها ما يتعلق بالحدود ومنع التهريب بكل أنواعه عبرها، والثاني، تراجع الحكومة عن سياسة "النأي بالنفس" التي اعتمدتها في البداية بدعوى أنها كانت مقبولة سابقا ولم تعد كذلك في المرحلة الأخيرة.

على الصعيد الأول، يتجاهل هؤلاء تماما أن النظام السوري نفسه هو من رفض دائما، وطيلة فترة تحكمه بالشأن اللبناني على مدى ثلاثة عقود، ترسيم الحدود التي كان يستخدمها من أجل التهريب تحديدا (السلاح للحلفاء والأتباع، والسلع التجارية لكل الناس) وأنه امتنع، حتى عندما أثيرت قضية مزارع شبعا بعد زوال الاحتلال الاسرائيلي للجنوب، عن تزويد لبنان بما يلزمه لتأكيد لبنانية هذه المزارع.

وهكذا، من عكار في الشمال اللبناني الى بعلبك الهرمل في الشرق الى راشيا في الجنوب الشرقي، بقيت الحدود بين البلدين سائبة بالكامل ما دام هذا السياب لمصلحة النظام، ان في داخل لبنان وداخل سوريا من جهة أو في لعبة المساومة على الأوراق في السوق الاقليمية والدولية من جهة ثانية.

لماذا يريد هذا النظام، ويريد معه لبنانيوه بشكل خاص، أن يتولى لبنان بقوة الاتفاقات الموقعة معه أو حتى بقواه المسلحة، حماية الحدود بين البلدين في هذه المرحلة؟. لسبب واحد لا غير، هو الظن بأن هذه الحدود السائبة يمكن استخدامها أيضا ضد مصلحته.

وبعد ذلك كله، هل في الاتفاقات المذكورة ما يعطي النظام السوري "حق" قصف البلدات اللبنانية بالمدفعية الثقيلة والقذائف الصاروخية، كما حدث عشرات المرات في المدة الأخيرة، أو حتى التوغل داخلها وخطف المواطنين اللبنانيين؟. ولماذا لا يفعل لبنانيو هذا النظام الا أنهم يبتلعون ألسنتهم وهم يرون مثل هذا الخرق الفاضح لحدود بلدهم العزيز من ناحية، وللشرائع الدولية المعمول بها بين الدول أيا كانت طبيعة العلاقات بين الدول، صديقة أو شقيقة أو لا هذا ولا ذاك، من ناحية أخرى؟.

لقد سقط العديد من القتلى والجرحى، وتضررت عشرات البيوت ومئات الدونمات من الأراضي الزراعية، كما اختطف العديد من المواطنين خلال الأشهر الستة الماضية، من دون أن يسمع صوت واحد من هؤلاء اعتراضا على ممارسات الشقيق ضد أشقائه اللبنانيين. ما يهمهم هو فقط الزام لبنان بتنفيذ "معاهدة الأخوة والتعاون"… وأي معاهدة هي تلك التي وقعها لبنان مع سوريا في الظروف المعروفة للجميع!.

بل وأكثر، لا يجد هؤلاء ما يعنيهم عندما يرد رئيس جمهوريتهم ميشال سليمان على اتهامات ممثل النظام السوري في الأمم المتحدة بشار الجعفري حول "القاعدة" وتهريب السلاح وغيرهما، فيعمد سفير هذا النظام في لبنان علي عبدالكريم علي لاعادة تكرار الاتهامات نفسها من وزارة الخارجية وبحضور الوزير عدنان منصور نفسه.

على الصعيد الثاني، لم تعد سياسة "النأي بالنفس"(بالرغم من الرأي القانوني والانساني والشعبي فيها) تلك السياسة المقبولة من النظام السوري في ظل تصاعد الثورة ضده واشتداد العزلة العربية والدولية المحيطة به، ولذلك فهو يطلب ومعه طبعا لبنانيوه ما غيرهم تخلي الحكومة اللبنانية عن هذه السياسة لحساب أخرى تكون أكثر التصاقا به ودعما له على مختلف المستويات.

ما هي السياسة اللبنانية التي يطالب بها النظام السوري، ولبنانيوه أيضا، في هذه المرحلة من اشتداد الثورة الداخلية والعزلة العربية والدولية التي يعاني منها؟.

– طرد آلاف النازحين السوريين اليه باعتبارهم "مجرمين" و"ارهابيين" و"عصابات"، وتسليمهم يدا بيد الى السلطات السورية، كما قال واحد على الأقل من الوزراء المحسوبين على لبنان في جلسة رسمية لمجلس الوزراء.

– قيام الجيش اللبناني بالدور ذاته الذي يقوم به جيش النظام السوري على الجانب الآخر من الحدود…أي ملاحقة من يحاول عبورها هربا من الموت المحقق على أيدي قوات النظام وشبيحته، وصولا الى اعتقاله وتسليمه الى من يلاحقه على الجانب الآخر.

-خرق العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة على النظام، خاصة في ما يتعلق بالمصارف والمؤسسات المالية، أو أقله التحايل عليها أيا كانت نتائج هذا الخرق وتداعياته على لبنان ونظامه المصرفي من ناحية وعلى اقتصاده وشعبه من ناحية أخرى.

-اطلاق يد ما كان يعرف، في زمن الوصاية، بالنظام الأمني اللبناني السوري المشترك، على مستوى تركيب الملفات وتاليا الملاحقات والاعتقالات للبنانيين والسوريين وحتى للعرب أيا كانت هوياتهم، تارة بدعوى الأخوة والتعاون وتارة أخرى تحت شعار تنفيذ الاتفاقات الموقعة بين البلدين.

-بكلمة أخرى، اعادة الحاق لبنان بسياسات النظام السوري واملاءاته تماما كما كانت حاله قبل الاعتراف بالاهتراء الكامل لهذه السياسات واضطرار أداتها العسكرية للانسحاب من لبنان في نيسان العام 2005.

لكن السؤال هنا في كل حال، هو أنه اذا كانت للنظام في سوريا أسبابه، وحتى مبرراته للضغط على لبنان من أجل جره الى هذا المستنقع (هو في المحصلة، مستنقع الفتنة المذهبية وحتى الحرب الأهلية)، فما هي أسباب ومبررات لبنانييه هؤلاء للدفع في هذا الاتجاه؟.

يستطيعون أن يتجولوا في بعض المناطق السورية داعين لعدم معارضة النظام، وحتى أن يملأوا الشاشات مرددين مقولاته ومدافعين عنها، لكن أن يتنكروا للبنانيتهم ولمصالح بلدهم فذلك ما لا يمكن فهمه.

كان يقال في السابق أن هؤلاء لا ينسون ما يسمونه "الجميل" الذي أسداه اليهم هذا النظام في أيام الوصاية، ولذلك يبدون أكثر التصاقا به ودفاعا عنه من النظام نفسه. وفي الواقع، فما يشهده اللبنانيون بأم العين وما يلمسونه لمس اليد في هذه الفترة هو اعادة تأكيد هذا القول.

ومشكلة لبنان الفعلية كانت على الدوام، وهي تبقى الآن وربما في المستقبل أيضا، في أمثال هؤلاء.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل