"فتح الورد على مرفق شباكي وبرعم والدوالي عرّشت وأخضر منها ألف سلم
واتكى بيتي على حفنة شمس يتحمم وأنا أحلم بالخبز لكل الناس أحلم
كان هذا قبل ان جاؤوا على دبابة لطخها الدم"
توفيق زياد شاعر فلسطيني
"مقبرة باب التبانة"… من رواية حكايات "أبو النور" لمحمد علوش
"الله، الله على تلك الأيام يا أم النور.. ما كان أروع جنوننا الجماعي ونحن نصرخ في الشوارع، بعد إعلان الحاكم عن بدء المعركة، نلتصق ببعضنا راصّين الصفوف لنصبح جسداً واحداً نهتف بصوت واحد: "ثورة ثورة حتى النصر"، والعدو يقذفنا باصبعه الوسطى.
كانت الصحف تخبرنا بأن العالم مشغول بصراعنا مع العدو، أميركا والاتحاد السوفياتي لا همّ لهما إلا قضيتنا ونحن نصدق.
الله.. تعرفين بأنني ولدت في باب التبانة، تلك البقعة الناتنة في أطراف طرابلس، وعشت في أوحالها، ولعبت في مقابرها. قبورنا هناك لا تسوّر بالأقفاص، كما يفعل أبناء العائلات، حاملي الدماء الزرقاء، بل هي عادية ومباحة لاستقبال الغرباء، ولقضائهم حاجتهم، فالأشجار العالية فيها والحشائش السريعة النمو تستمد حياتها من أجساد الموتى وفضلات الأحياء. باب التبانة، حيث المرض والموت هما استفقاد منه سبحانه، تعلمت فيها القسوة والجرأة من الأطفال الهائمين في الشوارع، لأن قسوة آبائهم عليهم نمّت في أعماقهم القسوة على الآخرين.
كانت باب التبانة بقعة زيت كبيرة على الساحة الطرابلسية.. صحيح صمد شعب التبانة طويلاً، لكن القذائف الشقيقة كانت أقوى من الإنسان، فانهزم أمام التهديم والتهجير، وتوزعت العائلات وضاعت في الأحياء، فتفككت اللحمة التي كانت تشدّهم وتحولت الى ذكريات، ولم يعد يجمع أهل التبانة إلا تلك المقابر حين يُرجعون إليها مرغمين.
حين أفكر بأهل حارتي، أوهم نفسي بأنني وفيتهم حقهم عليّ، لكنني سرعان ما اكتشف بأنهم مقيمون في عروقي مع دمي. الحزن، تعلّمته من أهلها الفقراء، فاحساسي المبكر بالظلم البشري الذي تعرّض له أبي بسببي، والفوارق الاجتماعية التي عشتها منذ نشأتي في هذا الحي المرمي على حافة طرابلس، وأهله الذين زحفوا من قراهم يحملون حاجياتهم وعاداتهم وذلّهم الموروث من سطوة الإقطاع في الريف فضاعوا بين المدينة والريف، رماني في سوداوية قاسية منذ طفولتي".
سطح بيتنا
وسط الهذيان العنيف الذي يعم مدينتي طرابلس، وبالأخص في مرتع طفولتي باب التبانة، عادت بي الذاكرة الى هناك الى والدتي التي كانت كالكثير من النساء العلويات، تلبس اللباس الغربي وتخرج سافرة في الحي، ولم يعيّرها أحد يوماً بذلك. كما أن عماتي المنقبات اللواتي لم يقطعن يوماً فرضاً في الصلاة، وكن يقضين نصف أيام السنة تقريباً في الصيام وفي التعويض المبالغ عن أيام فاتتهن، عماتي لم تحاول احداهن يوماً أن تقنع والدتي بممارسة أي من شعائر الدين.
في ليالي القيظ كنا نقضي السهرة على سطح منزلنا الصغير المنسي ضمن أكوام من الأبنية العشوائية على ضفة نهر أبو علي في أيام عزه، وكان سور السطح مدروزاً بشجيرات الياسمين. وبالمناسبة فقد كان زهر الياسمين بمثابة "ديودوران" في تلك الأيام حين كان الحمام وتبديل الثياب يحدث فقط في المناسبات!
المفارقة هي ان والدتي كانت تقص علينا، بوجود عماتي، العديد من الأساطير المرتبطة بالاعتقادات العلوية حول الإمام علي، ولم تكن تشعر بالحرج من أن تحاول إقناع الجالسين بأن وجه الإمام يظهر في صفحة البدر عند اكتماله.
لم أسمع يوماً اعتراضاً على ذلك لا من والدي المتهكم بطبعه ولا من عماتي ولا حتى جدي أو جدتي. وبصراحة فقط عشت طفولتي وأنا متعاطف بشدة مع مظلومية الإمام في مكيدة "صفين" وقصة التحكيم لدرجة بت أتصور معاوية بن أبي سفيان بأنه الشر المستطير.
"محاسن" المسيحية
ذاكرتي الثانية تعود الى السيدة "محاسن"، كانت قصيرة القامة، ممتلئة، عيناها زرقاوان مائلتين الى الرمادي، وكانت تضع الكحل وأحمر الشفاه بشكل مبالغ فيه، وترفع شعرها المصبوغ دائماً باتقان، كالكعكة على رأسها، وتلبس الكعب العالي والفساتين ذات الخصر المشدود.
الست "محاسن" كانت امرأة مسيحية من أصول تركية، تسكن على أطراف باب التبانة، ولكنها كانت تأتي الى بيت جدتي بشكل دائم، فكانت عماتي يتحلقن حولها ليسمعن حديثها الأنيق، والأهم لتكشف لهن الحظ في فنجان القهوة، لم أعلم يوماً عن دينها إلا عندما سألت عن الصليب الذهبي الذي كانت تضعه "كبروش" على ثيابها.
حي السيدة
هل تعلمون أيضاً ان في التبانة كان هناك حي اسمه حي السيدة (العذراء)، وان في هذا الحي كنيسة قديمة وصغيرة، وهناك تعرفت على صديق طفولتي بولس الذي كان يسكن مع أهله الفقراء فوق متجر والدي في عمق باب التبانة.
كان بول، كما كنا ندعوه، رحمه الله، قوي البنية وشجاعاً، وكنت معه ومع رفيق عمري الثاني حسن، الذي لم يكتشف بأنه شيعي إلا عندما اصبح شاباً لأن عمي أبو حسن الدركي القادم من بعلبك كان يصرّ على أبنائه بأن دينهم هو لبنان، كنا نشكل عصابة ثلاثية لا تفترق وكنا نخوض المعارك مع عصابات أخرى من صبية باب التبانة، المفارقة انني لم أتوقف عن محبة بول حتى عندما أخبرني بأنه هو واخوته يتدربون على القتال مع ميليشيا حزب الكتائب.
بدر مرجان
ذاكرتي أيضاً تعود الى العم بدر مرجان، لم أعد أذكر الآن ما كان يبيعه في دكانه الصغير قرب متجر والدي، كان باب الدكان من الخشب القديم والزجاج، كان يغلقه مساء دون أن يقفله قائلاً "لا يوجد شيء يحرز السرقة". عمي بدر كان ضئيل القامة، في العقد السابع، تظهر هموم العمر وشقاؤه على تقاسيم وجهه، ولكن عيناه كانتا خضراوين تشعان ذكاء ومعرفة. كان العم بدر العلوي يرفض أن يصنف على هذا الأساس مؤكداً أن دينه هو دين الطبقة العاملة وجنّته هي عندما تتحقق الرؤيا الشيوعية، وكان يتحلق حوله بعض من أصبحوا لاحقاً قادة الجبهات العسكرية، وجلهم من السنّة، ليسمعوا منه الدرس حول حتمية انتصار البروليتاريا. لم أعلم ماذا حل بعمي بدر بعد أن قسمت باب التبانة الى فسطاطين يسكن في كل منهما عمال فقراء يتقاتلون كلما سنحت لهم الفرصة بذلك.
قبل أن جاؤوا
لمن لا يعلم، فلم يكن هناك في الماضي شيء اسمه بعل محسن يسكنه العلويون، فالكل كان يسكن في باب التبانة، ومعظمهم كانوا من الوافدين الى المدينة بحثاً عن الرزق. كانوا يسكنون في بيوت من تنك ومن بعدها عندما بنوا بيوتهم كانت متداخلة وسطوحها مشتركة، وفي بعض الأحيان يتقاسمون حتى الحمامات وبيوت الخلاء. في حي السيدة بالذات كانت بيوت السنّة والعلويين والمسيحيين تتشابك في نسيج عجيب غريب، وكان كبار السن يجلسون قبل الغروب على الرصيف يلعبون "المنقلة" ويشربون المتّة، وإن تجرأ أحدهم بأن يعيّر الآخر بمعتقده، زجره أهل الحكمة ودفعوه مباشرة الى الاعتذار والرجوع عن غيّه.
كل ذلك كان قبل أن حلّت لعنة النظام السوري على باب التبانة منذ ست وثلاثين سنة لتتحول من المركز الاقتصادي لطرابلس الى جرح دائم تلهبه الأحقاد والهواجس والدسائس وأحياناً الأساطير.
باب التبانة بكل مكوّناتها من سنّة وعلويين ومسيحيين هي احدى ضحايا هذا النظام.
عضو المكتب السياسي لـ"تيار المستقبل" مصطفى علوش