جاء وصف السيد حسن نصرالله للسياسة اللبنانية والسياسيين اللبنانيين "بالمياومة" و"المياومين" صائبا تماما على قاعدة من ساواك بنفسه ما ظلمك. وكذلك لم يجاف السيد الموضوعية في حديثه عن اقتناع جميع اللبنانيين بعدم وجود دولة ناجزة بكل المعايير الطبيعية للدولة. وحتى في اقتراحه المثير للجدل حول مؤتمر وطني تأسيسي وانتخاب "مجلس خبراء" يعمم السيد خلفية مطمئنة الى ان السياسي التقليدي في صورته يتقدم مقارباته الداخلية اقله الآن على رغم طغيان الحالة المعسكرة في زعامته وواقع حزبه. هي مقدمة ضرورية للاستخلاص ان السيد نصرالله لم يكن واهما بأن اقتراحه سيلقى غير الرفض التلقائي البديهي من قوى 14 آذار، خصوصا ان هذا الاقتراح بصرف النظر عن مناقشة قابليته للترجمة يأتي بمثابة زيادة الزائد في محاولة حشر الخصوم في مسألة الحوار وتحميلهم تبعة الانكفاء عنه… والحال ان كثرة "المياومة" في السياسة تجعل الخصم اكثر العارفين بطبائع خصمه. وما فعله السيد في رمي اقتراحه على مشارف حسم مصير الدعوة الرئاسية الى الحوار لا يخالف هذه القاعدة بتاتا. مع ذلك ثمة خصوصية ضخمة للحظة السياسية تملي معاينة هذا الاقتراح بمفعول استباقي لا بمفعول رجعي. فهو "وديعة" محدثة نحو المستقبل اللبناني متى عزل عن الحالات الاقليمية اولا ومتى حان الأوان لمراجعة الطائف على البارد. ولكنه صعب الهضم راهنا متى جاء طرحه على مشارف مرحلة انتقالية خطيرة بالكاد يقوى فيها لبنان على تجنب الاحتراق فداء عن الانهيار السوري. وهو اقتراح لا يفترض ان يثير انفعالات فوق العادة متى كان بطريرك الموارنة سباقا بمناداته بوتيرة متواصلة بعقد اجتماعي جديد ولا يفصح عن رؤيته لطبيعة هذا العقد.
وهو اقتراح يصعب عزله عن مطلقه متى كان صاحب الطرح السيد نصرالله شخصيا الذي يدرك ان مناداته بدولة تأسيسية جديدة ستثير تلقائيا الهواجس من مقايضة قسرية بالمثالثة او بالسلاح علما ان حوارا عاديا متواضعا على جولات متعاقبة منذ عام 2006 عجز عن زحزحة هذه المعضلة واستعصى عليه خرقها، فكيف بجرعة زائدة كمؤتمر تأسيسي في توقيت لا يرى فيه الخصوم سوى الالتباس والغموض غير البناء طبعا؟ اما في النتائج الآنية المشتقة من هذه الخلاصات فربما يكون اقتراح السيد نصر الله من حيث التقاطع الموضوعي مع الخصم والشريك الحتمي في الحوار الضلع الثاني في محاصرة حوار بعبدا ومبادرة الرئيس سليمان اقله في توقيتها الراهن. ذلك ان قوى 14 آذار لم تظهر أي مرونة حيال شرط تغيير الحكومة استباقا للحوار. والسيد نصر الله تجاوز عمدا او عفوا جدول الاعمال الرئاسي ووضع جدول اعماله للحوار.
بذلك يستوي ميزان قوى سلبي دوما، مما يثبت بأن اللحظة لا تتحمل اكثر من مبادرات متواضعة وانما فعالة ومتكيفة مع اخطار الانتظار. ويكفي لبنان ان يقي نفسه شرور هذا الانتظار الانتقالي لينفذ بجلده وبطائفه العليل وبدولته المياومة، اما الاقتراحات المتجرئة فيمكن قيدها في خانة اعلان "حسن النيات".