تحاول بعض القوى السياسية تفسير الموقف السعودي على غير حقيقته، أو بالحد الأدنى قراءته بشكل مجتزأ ومغلوط واستنسابي، في محاولة يائسة لإحراج قوى 14 آذار، أو وضعها في مواجهة مع الموقف السعودي.
لا يمكن للمملكة العربية السعودية أو لغيرها من الدول إلّا أن تكون مع الحوار، فهذه مسألة بديهية، وخلاف ذلك يعني تشجيعا على الفصل وتحريضا لفئة على أخرى. وبالتالي، المواقف العربية والغربية المشجعة على الحوار هي مواقف عامة مفهومة ومبررة، انطلاقاً من حرص هذه الدول على لبنان واستقراره.
ولكن ما ينطبق على هذه الدول لا ينسحب بطبيعة الحال على فريق 14 آذار الذي لم يوفر مناسبة إلّا وسعى للوصل مع الفريق الآخر الذي كان يستغلّ اليد الممدودة بغية ضرب الإنجازات السيادية التي تحققت مع انتفاضة الاستقلال، ويكفي في هذا السياق العودة إلى أربع محطات رئيسية: التحالف الرباعي الذي سمح لـ"حزب الله" إقفال الساحة الشيعية والدخول إلى السلطة وكأنّ البلاد ما زالت تحت الوصاية السورية، التجاوب مع الدعوة الحوارية التي وجهها الرئيس نبيه بري في آذار 2006 التي فرملت الاندفاعة السيادية ومنحت الحزب الوقت الكافي لإطلاق انتفاضته المضادة متكئاً على "حرب تموز"، الذهاب إلى الدوحة على أثر أحداث 7 أيار والموافقة على إعطاء الحزب الثلث المعطل، انتخابات العام 2009 والإصرار على إشراك فريق 8 آذار الذي انتظر اللحظة المؤاتية لإخراج الفريق السيادي من السلطة في محاولة للعودة بالبلاد إلى ما قبل العام 2005.
والهدف من العودة إلى هذه المحطات القول إن الفريق الآخر لا يريد حوارا ولا من يحزنون، وان التجربة أثبتت أن تجاوبه أو تشجيعه على الحوار يرمي إلى شراء الوقت تقطيعا لمرحلة أو ظرف معقد في ظلّ غياب أي استعداد لديه للمساهمة في تمكين الدولة، والدليل رفضه تطبيق ما اتفق عليه في جلسات الحوار وتمسّكه بمنظومة سلاحه.
وعليه، لا يجوز أن تبقى 14 آذار خاضعة لابتزاز "حزب الله" على قاعدة إمّا التجاوب مع مبادراته المفخخة أو تفجير البلد، لأن مساوئ التجاوب لا تقلّ ضررا عن تفجير البلد. وبالتالي إذا كان ثمة من يعتقد أن الحوار وسيلة لتنفيس الاحتقان، فهو مخطئ، لأن الحزب يعمل وفق أجندة إقليمية وليس أولويات محلية، فضلاً عن أن الحوار، على سبيل المثال، لم يتوقف بين عامي 1975 و1990، بمعنى أن استمراره لم يحل دون استمرار القتال وصولاً إلى اللحظة التي أفسحت في المجال أمام ولادة التسوية.
ومن هنا، فإنّ رفض 14 آذار المشاركة في الحوار مسألة بديهية على غرار تشجيع الدول العربية والغربية الأطراف اللبنانية على الحوار، ولكن من الواضح أنه تمّ التركيز عمداً على الشق الذي دعا فيه الملك السعودي رئيس الجمهورية إلى "التدخل لإنهاء الأزمة في إطار رعايته للحوار الوطني"، وإهمال الشق المتعلق بـ"قلق المملكة البالغ لجهة استهداف أحداث طرابلس لإحدى الطوائف الرئيسية التي يتكوّن منها النسيج الاجتماعي اللبناني"، و"خدمة أطراف لبنانية مصالح أطراف خارجية لا تريد الخير للبنان، ولا المنطقة العربية عموماً"، والمقصود بالتأكيد "حزب الله" وإيران.
فالمملكة ليست في وارد تغطية حوار هدفه الإمعان في ضرب السنّة وحلفاء السنّة في لبنان، ولا تغطية حوار يعطي شرعية لحكومة ما زالت المملكة ترفض استقبال رئيسها كونها جاءت بطريقة انقلابية وبهدف إخراج السعودية من لبنان واستهداف الحالة التمثيلية السنية، وحتى الزعيم وليد جنبلاط الذي، وعلى رغم مواقفه الواضحة من الثورة السورية، ما زال الملك عبدالله عاتبا عليه نتيجة مساهمته في إسقاط الحكومة الحريرية وتشكيل الحكومة الميقاتية.
فالرياض مع الحوار، أيّ حوار، وهذا أمر طبيعي، ولكن قرار المشاركة أو عدمه يعود إلى تقدير 14 آذار وحدها لا غير، والمملكة كانت وما زالت مع سيادة لبنان واستقلاله وضدّ التدخل في شؤونه الداخلية.
