#adsense

تهمة السعي إلى المثالثة لم تعد تهمة

حجم الخط

لعلّ السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير، قصد أو لم يقصد، ساهم في توجيه أكبر ضربة لرئاسة الجمهورية، ولجميع المسيحيين من حلفائه وخصومه على السواء.
 
من حيث التوقيت كان الأجدى بمطلق خطاب المؤتمر التأسيسي ألّا "يصادف" هذا الإعلان بعد أيام على تحديد رئاسة الجمهورية لحوار مجدول بعناية لا تحتمل التأويل. ومن حيث الشكل، كان الأجدى ألّا تنطلق هذه الدعوة من طرف كان له وما يزال اعتراض تاريخي وموثق على الطائف، ومن حيث المضمون العميق.

وكان الأحرى بمطلق الدعوة إلى المؤتمر التأسيسي ألّا يستعجل السعي إلى إعادة النظر بالطائف، على الأقل احتراماً لمصالح حلفائه الذين، وإن كانوا يستعجلون الإجهاز على هذا الاتفاق، إلّا أنهم يعلمون أنهم سيصطدمون عند أي بحث جدي بهذه الوثيقة، بالمطلب الأكثر حراجة الذي سيواجههم أمام قواعدهم، وهو مطلب إعادة النظر في الحصص الطائفية داخل النظام، ليس فقط المتعلقة بالمناصفة في المجلس النيابي، بل بكلّ المواقع الإدارية داخل الدولة.

وإذا ما جاز تخيّل الصورة المسبقة لطاولة المؤتمر التأسيسي الذي دعا إليه نصرالله، من منتخبين أو معينين، فإن أوّل ما يتبادر إلى الذهن، رؤية ممثلين لطوائف جائعة إلى نهش اكبر حصة لها في الكعكة، وهو جوع له مبرراته، ويتحرك بقوة الدفع المنبثقة من شعور دائم بالغبن، ومن رغبة في تصحيح افتئات تاريخي ومزمن، ومن ممثلين لطوائف أخرى لا يزال بعض قياداتها يرى أنّ العودة إلى ما قبل الطائف أمر ممكن على شكل خطابات تُلهب الحماس الفطري والأهوج، تنادي باستعادة صلاحيات الرئاسة المسلوبة ولو بثمن خسارة المناصفة تحت عنوان أنها مناصفة وهمية، لنيل مثالثة لا يضمن الذين سيقبلون بها ألّا تتحول هي أيضاً إلى مثالثة وهمية.

وإذا ما جاز التخيل أيضاً، فإنّ قراءة موقف الكنيسة من طرح المثالثة الذي سيطرح حتماً على طاولة المؤتمر التأسيسي، لا بدّ أنه سيدرس بدقة، خصوصاً بعدما كرّر البطريرك الراعي في الآونة الأخيرة، الدعوة إلى عقد اجتماعي جديد بين اللبنانيين، متجاوزاً ما كان ينادي به البطريرك صفير الذي طالما ردّ على المطالبين بتعديل الطائف بتطبيقه أولاً.

فكيف ستتعامل الكنيسة مع مطلب المثالثة النائم، الذي استفاق به أصحابه في لحظة اعتقدوا فيها أنه قد يفتح سجالاً وطنياً يموّه على الخلاف حول السلاح، أو في لحظة هدفوا فيها إلى الإيحاء بأنّ النقاش حول السلاح ممكن، ولكن بعد دفع ثمن تغيير الطائف في اتجاه إرساء معادلة تمثيل جديدة للطوائف داخل النظام.

في العام 2009 كانت المثالثة التي سرّب الكلام الجدي عنها للمرة الأولى في مؤتمر سان كلو، المحطة الأبرز للحملات الانتخابية، كانت تهمة سياسية ووطنية، اتهم بها "حزب الله" وحليفه العماد ميشال عون، وكانت أيضاً إلى جانب عوامل أخرى سبباً في تراجع عون انتخابياً، نظراً إلى حساسية المسيحيين إزاء كل ما من شأنه أن يضعفهم اكثر في المعادلة الداخلية.

أما اليوم فإنّ "حزب الله" لم يعد، وكما بدا من خطاب المؤتمر التأسيسي، يأبه من احتمال شيطنته في حال طرح المثالثة كمادة للنقاش، ومن حتمية أن يؤدي طرحها إلى إصابة حليفه في الصميم قبل إجراء الانتخابات النيابية، وذلك ربما لأنه يعتقد بإمكان تمرير المثالثة، بعد التعويض على المسيحيين ببعض الصلاحيات الرئاسية التي ألغاها الطائف.

في المحصلة، فإنّ طرح المؤتمر التأسيسي الذي يعني أن القبول بالطائف لم يكن كالعادة اكثر من مناورة، قد أعطى أوضح صورة عن عدم قناعة من يطالبون بالحوار، بهذا الحوار المقرّر في الحادي عشر من الشهر الحالي وبجدول الأعمال الذي وضعته رئاسة الجمهورية، ومن هنا يصبح طرح المؤتمر التأسيسي أشبه بضربة مسبقة لأيّ حوار، لا بل يصبح رفضاً للحوار، وعودة بالعلاقة بين اللبنانيين إلى مرحلة ما قبل العام 1989، مع كل ما تحمله هذه العودة من نقاش حول الصيغة والميثاق وأسس ما بُنيت عليه جمهورية الطائف.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل