ارتفاع الأسعار وقروض المصارف يعزّزان شراء الشقق خارج بيروت

كتبت سلوى بعلبكي في صحيفة "النهار":

لا يزال المعنيون بالقطاع العقاري على اقتناع بأن اسعار الشقق لن تنخفض، رغم الجمود الاقتصادي والاستقرار في المنطقة. هذه العوامل، وإن انعكست جمودا في حركة البيع والشراء، إلا أنها لن تستمر طويلا وخصوصا مع استمرار المصارف في اعطاء القروض بفوائد "جاذبة". لكن هل يتلاءم متوسط الدخل مع معدل أسعار العقارات في لبنان؟ وما هي العوامل التي تساهم في ارتفاع الاسعار؟

لا شك في أنه إثر ارتفاع أسعار العقارات على نحو لافت، أصبح ثمة تفاوت ما بين القدرة الشرائية للبنانيين المقيمين ومستويات الأسعار المعروضة في بيروت. من هنا يعتبر كبير الاقتصاديين ورئيس قسم الأبحاث في بنك عوده الدكتور مروان بركات، أن الطلب اتجه إلى خارج بيروت وإلى العقارات الصغيرة والمتوسطة الحجم. بدليل أن قيمة المبيعات العقارية في بيروت تراجعت 4% في الفصل الأول من السنة، في حين أن مجموع المبيعات العقارية ارتفعت 8%. في هذا السياق، تراجعت حصة بيروت من مجموع المبيعات العقارية بشكل تدريجي خلال الاعوام الخمس الماضية، اذ انخفضت من 36% في الـ2007 إلى 31% في الـ2011 و29% في الفصل الأول من 2012.

أما ارتفاع الأسعار الذي سُجل خلال الأعوام الماضية، فقد انطلق وفق بركات، من قاعدة ضعيفة في منتصف العقد الماضي عندما كانت أسعار العقارات منخفضة جداً مقارنة بالمتوسطات الإقليمية والعالمية. "وعليه، كان من الطبيعي أن تصحح الأسعار صعوداً لتتماشى مع الأسواق المماثلة". ويعزو عدم انخفاض الاسعار الى أن الطلب على العقارات هو حقيقي للاستخدام النهائي وليس بهدف المضاربة، كما هي الحال في عدد من البلدان في المنطقة وخارجها.

ولم يكن بركات وحيدا في رأيه، اذ ايّده الخبير العقاري جهاد ابرهيم، إلا أنه يعتبر أن اموال غير المقيمين ترفع اسعار الشقق على نحو لا يتلاءم مع الحركة الاقتصادية، "بدليل أن آخر تقدير لمصرف لبنان يشير الى ان نحو 25% من الحركة الاقتصادية هي تحويلات للبنانيين في الخارج". ويعزز رأيه بأن الطلب من غير المقيمين هو السبب الرئيس لارتفاع الاسعار، موضحا "ان لبنان بلد صغير يعيش فيه نحو 4 ملايين شخص، فيما يقدر عدد اللبنانيين في الخارج بنحو 12 مليون، أي ثمة نحو 12 مليون مهتمين بشراء "مرقد عنزة في بلدهم".

ما نسبة الأجانب من حركة الشراء؟

رغم عدم توافر إحصاءات مفصلة، توزع حجم العمليات بين مختلف الفئات. إلا أن بركات يشير الى ان الطلب غير المقيم يقدر بـ40% من اجمالي الطلب العقاري، ويعود إلى الطلب الناشئ عن الجاليات اللبنانية في الخارج، إضافة إلى الطلب الناشئ عن الرعايا العرب والذين يجدون في لبنان بيئة جاذبة. لكن التجربة الميدانية لإبرهيم في سوق العقارات وخصوصا في مجال الشقق الفخمة، تجعله يؤكد أن 80% من الزبائن هم من اللبنانيين غير المقيمين، و1.8% أجانب و18% من المقيمين.

لا خوف من فقاعة عقارية؟

بما أن الجمود العقاري هو المسيطر حاليا، ثمة مَن يعتقد أن لبنان مقبل على فقاعة عقارية، إلا أن بركات يستبعد ذلك. "فالطلب لم يكن مضاربياً من الأصل كما أن المقاولين ليسوا تحت ضغط لبيع العقارات على نحو عاجل في ظل الرافعة الاقتراضية المتدنية لديهم ومكانتهم المالية المرتفعة. اضافة الى عامل محدودية عرض الأراضي في بلد صغير كلبنان حيث تتمتع أسعار العقارات والشقق بدعم مطرد". وقال ان اسعار العقارات شهدت وفي غضون العقدين الماضيين، تطوراً تدريجيا، "أي أنها كانت ترتفع حيناً ثم تثبت على مستوياتها لترتفع من جديد، ولكنها لم تنخفض أبداً".

ولا يؤيد بركات مقولة ان لأسعار الفائدة التي تقدمها المصارف دورا في ارتفاع أسعار العقارات، إذ يرى ان الارتفاع يرتبط باطراد الطلب أكثر منه بعامل الفائدة على القروض. "فانخفاض معدلات الفوائد على تلك القروض خلال الاعوام الماضية شجع التسليف السكني، اذ وصلت محفظة القروض السكنية حالياً إلى نحو 5 مليارات دولار. وتاليا، ساهمت معدلات الفوائد الجاذبة في تشجيع الطلب العقاري، إنما لم تكن المحرك الأساس وراء ارتفاع الأسعار". وفي الحديث عن تعثر بعض القروض العقارية، يعتبر بركات ان القروض العقارية تشهد مساحة ضيقة للمتخلفين عن الدفع نظراً الى ارتباط هذا النوع من القروض بعامل الاستقرار الأسري والاجتماعي "الذي غالباً ما يسعى المقترض إلى المحافظة عليه. إضافة إلى ما تحمل عملية التخلف عن الدفع من تفرغ للعقارات موضوع القروض المرهونة أساساً لمصلحة المصرف".

وفي ظل عدم توافر إحصاءات للديون المشكوك بتحصيلها بحسب القطاعات، يشير بركات الى ان نسبة تلك القروض من الاجمالي، شهدت انخفاضات متتالية في غضون الاعوام الماضية "اذ تراجعت من 14.2% في 2005 إلى 3.3% في آذار 2012".

هل تؤدي المصارف دوراً في توجيه العميل المقترض نحو شقق معينة؟ يشير بركات الى أن القروض تؤثر في موازنات العملاء المخصصة لتملك الشقق، لافتا الى أن قرار المصارف الائتماني مرتبط بالقدرة الشرائية للعميل وقدرته على التسديد خصوصا. "وتاليا، فإن دورها بالتأثير على نوعية الشقق المطلوبة غير مباشر، ويبقى محدوداً". لكن إبرهيم يدعو المصارف الى تأدية دورها على هذا الصعيد، "وذلك من خلال تحديد سقف القرض بعد درس مدخول طالب القرض".

لكن ذلك لم يمنع ابرهيم من التنويه بدور المصارف التي تساعد اللبنانيين كثيرا في تملك الشقق. "وقد ساهم مصرف لبنان في إحداث ثورة اجتماعية، إذ للمرة الاولى في تاريخ لبنان، أصبح ثمة قدرة لكل موظف ثابت أن يتملك شقة، وذلك من خلال التسهيلات التي يقدمها بنك الاسكان، اضافة الى تعاميم مصرف لبنان للمصارف والتي تخولها استخدام احتياطاتها للقروض السكنية".

المصدر:
النهار

خبر عاجل