#adsense

رذيلة الإدّعاء

حجم الخط

يعمد بعض من يطلقون على أنفسهم ألقابا "طبليّة" (نسبة الى الطبل الأجوف)، الى وضع ذواتهم في أمكنة متميّزة تشغل موقعا أوّلا بين صفوة المجتمع، وذلك في اعتماد اسلوب الأنبياء في مخاطبة الناس: "وأنا أقول لكم الحقيقة …". حتى أنّ هذه "الكليشيه" التي لم تعد تفارق إطلالاتهم أو ظهوراتهم، أصبحت جزءا من منظومتهم الخطابية. هذه النمطيّة إن دلّت على شيء، فعلى الجزم القطعي بالمعرفة أي الحرص على ادّعاء معرفة كلّ شيء.

وهذا سلوك احترازي يحاول من ينتهجه أن يحمي بواسطته نفسه من الوقوع في الغباء. إنّ الإدّعاء ليس قصورا عقليا بقدر ما هو خلل في الشخصيّة، إذ تطغى "الأنا" المغترّة المتمظهرة بالأكثر فهما، والأغنى عقلا، والأوفر ذكاء… فلا من يضاهيها في النباهة وفي المخزون الفكري. هذا الإغترار هو مرض بعض رجال السياسة النفسي عندنا، والذين يستعرضون عكس حقيقتهم، أي يوهمون الناس بأنّهم يملكون من الحقيقة ما لا يملكون، والهدف تسليط الأضواء على شخوصهم للرفع من شأنها، وإزالة أيّ إمكانيّة للتشكيك بأنّهم المصطفون معرفيّا، وزرع معلومة في أذهان الناس ومخيّلاتهم بأنّهم يعرفون كلّ شيء. هذه فعلا الصعلكة العقليّة.

إنّ المواطن الذي يعاني من قنوط مطبق، ولا يدري معنى أزمة المعرفة، هو أرض خصبة لأنتشار ظاهرة الإدّعاء بإيهامه أنّ الخطيب يمتلك الحقيقة، كلّ الحقيقة، في جيبه، وأنّ الآخرين يهامشونها في أفضل الحالات. وهذه إشكاليّة معرفيّة عميقة تتضمّن إجابة صريحة وبشكل فاقع عن عمليّة تجيير الجهل وادّعاء المعرفة الزائفة بهدف كسب تصفيق السذّج وولائهم، وما أكثرهم.

إنّ صدقيّة الخبر مرتبطة بشخصيّة ناقله أو مبتكره، وبأخلاقيّاته وخلفيّاته وأهدافه. من هنا، يتعيّن في العمل السياسي التحقّق من "الحقيقة" التي يطلقها صاحب الشأن والزّمان ممّن يتقنون أساليب التضليل والمراوغة بشكل نوعي وبراعة عالية وينتسبون في الوقت نفسه الى القدّيسين. لذلك، فالمدّعي امتلاك الحقيقة وحده بين من يسفّفهم ويصنّفهم جملة من المنافقين هو وحده صاحب النغم النشاز في وسط فرقة العزف الماسيّة.

صدق الشاعر حين قال: فوا عجبا كم يدّعي الفضل ناقص…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل