الجميع يريد الحوار، ولكل منطقه. لم تكل قوى 14 آذار من المطالبة به، ولم تحد عن عناوينه منذ أطلق. ومن عطله تكرارا، لم يكن سوى الأكثر حماسة له اليوم، ويريده جسرا لانقلاب لم يكتمل. فالتشبه بالنموذج المصري في الدعوة إلى "مجلس خبراء" يتجاهل أن ما شهدته مصر من إطاحة للنظام برر وضع دستور جديد لنظام جديد، فهل يعتقد صاحب الحماسة أنه استكمل الانقلاب على دولة الطائف، وهي لما تكتمل أم يستعجل نتائج انقلاب لم ينجح؟
من باب المصادفات، ربما، أن المقترح، الذي يفترض أن يبعد قضية سلاح الحزب عن لب الحوار، أسقطه بعد ساعات كلام المستشار العسكري للمرشد الأعلى في ايران الذي ذكّر من نسي بـ "أن حزب الله اللبناني يملك آلاف الصواريخ سيوجهها ضد النظام الصهيوني" إذا هوجمت ايران.
يريد الأمين العام أن يناقش اللبنانيين في وضع نظام جديد، محتفظا باحتكاره مقاومة اسرائيل، لكن صفوي يذكرنا بمهمة أخرى غفلها باستمرار وهي الوظيفة الايرانية لهذا السلاح، فهل هي من بنود نقاش "مجلس الخبراء" المقترح؟ وقبل ذلك، هل يريد الأمين العام من "مجلس الخبراء" أن يبحث في نظام جديد مع التسليم بأنه وحزبه جنود عند الولي الفقيه، وهو الذي أطلق تأييده للحوار و"نظريته" في "التعاهد" الجديد تحت مظلة السفارة الايرانية وذكرى الإمام الخميني؟
لا تبدو حماسة سماحته للحوار كـ"نور شقه الله في الصدر"، بل هي أقرب إلى رغبة في استراحة المحاربين اليائسين من تحقيق النصر بالقوة، والذين يرون في الحوار حرباً أخرى بوسائل ديبلوماسية، فيحضّرون الكمائن والفخاخ ويرمون أفكارا من المسامير المثلثة في مواقع محددة من مسار النقاش المفترض، ليصل وحده دون الآخرين إلى هدفه. فهو يعرف أن العودة إلى الحوار هي إعلان فشل الانقلاب على اتفاق الدوحة والـ سين- سين وانفراده بالسلطة، وإشهار لإفلاس قدرة الدويلة على قضم الدولة، وانفضاح عجزها في الأمن والاقتصاد والسياسة، الداخلية قبل الخارجية. وهو يعرف، ويفترض أن يعرف، أن اللبنانيين عموما، حتى بين جمهوره، لم تعد تنطلي عليهم المماحكات اللغوية الساعية إلى إبعاد الطاولة عن لب الحوار وهو سلاح حزبه.
قدم الجميع تصوراتهم للإستراتيجية الدفاعية، إلا المعنيون بها. التزم الجميع كل إتفاق، حتى الثلث المعطل، وانقلب عليه من أراده، بعدما ثبت بالحوار مكتسبات 7 آيار، أي هيمنته على القرار السياسي بقوة السلاح.
والآن، تعود طاولة الحوار، إن لم يكن الاثنين 11 الجاري فربما في خميس آت، واعتراضات 14 آذار ربما تجد إجابات مرضية، خصوصا أن قواها لا تريد إفشال رئيس الجمهورية وزيادة حصار خصومها له. لكن هل يكون، مرة أخرى، حوارا لمضغ الوقت لا للاتفاق؟