عند كل منعطف أو أزمة تعصف، يبحث أبناء الشمال عموماً ومدينة طرابلس خصوصاً، عن مسؤول يقف الى جانبهم، يخفف عنهم وطأة الاحداث وهول الفتنة التي يراد اغراقهم فيها، لكنهم عبثاً يحاولون!. وعند كل توتر أمني أو اشتباك مسلح يقع، على غرار ما يحصل في باب التبانة في جولات منظمة، ينتظر أبناؤها أن يطل واحد من الوزراء "الخمسة" المفترض أنهم ممثلون عن مدينتهم ويبادر ولو بكلام طيب يحد القلق الذي يتأكلهم ولكنهم عبثاً ينتظرون!. وفي كل مرة يبحثون عن مسؤول يرفعون ظلامتهم وشكواهم اليه، ولكن أنّى لهم أن يجدوه.
إنه واقع أبناء طرابلس الذين يعيشون في ظل فراغ سياسي كبير و"قاتل" منذ أكثر من عام، وصل اليوم الى حدود الطلاق، الامر الذي يثبت ضعف القدرة التمثيلية لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي وللوزراء الاربعة عن المدينة الذين لم يحضروا يوماً في الحياة العامة، بحيث غاب تأثيرهم في الشارع الذي لا يمثلونه أصلاً كما غيّبوا أنفسهم بفعل تغييبهم لمشاريع إنماء المدينة وتطوير مرافقها.
ولا شك في أن ارتباطات الوزراء الخمسة فرضت عليهم عدم القدرة على اتخاذ القرارات التي من شأنها مواجهة من يريد نقل الفتنة من سوريا الى لبنان وطرابلس تحديداً، ووضع حد لممارسات أتباع النظام السوري واستفزازاتهم اليومية المراد منها نقل ما يجري في سوريا الى مدينة طرابلس، للايحاء بأنها مدينة إرهاب وتطرف وأصولية، بعد أن سبق وحضّر الأجواء مندوب سوريا في الامم المتحدة بشار الجعفري الذي ذكر طرابلس الى جانب بعض المناطق بأنها ملاذ للارهابيين.
وجاء "انقلاب" حلفاء الحكومة على رئيسها أولاً وعلى وزراء المدينة ثانياً، وغضّ النظر عن ممارسات حلفائهم في خط "الممانعة"، بل أكثر من ذلك إعطاء الاوامر لهم بافتعال مشكلات أمنية في المدينة بغية الضغط على رئيسها للسير وفقاً لما يريدونه في الملفات الداخلية والخارجية ليزيد في الطين بلة، لا سيما وأن رئيس الحكومة "المحاصَر" اصلاً من اتخاذ أي اجراءات اقتصادية ومعيشية من شأنها إنعاش الوضع ولو في حده الادنى، جعله في حالة لا يحسد عليها، فكان أن شهر سلاح التهديد دون تأثير بعدم عقد جلسات لمجلس الوزراء اذا لم يتم صرف مبلغ 150 ملياراً لمشاريع تنموية في طرابلس.
كل هذه التراكمات أدت الى مزيد من الفراغ السياسي الكبير، والذي أصبح قيمة مضافة نتيجة الهوة السحيقة بين أبناء طرابلس والشمال وممثليه في الحكومة التي لم تستطع التصدي للملفات الامنية، بل كانت سبباً في دحرجة كرة النار باتجاه الاحياء الفقيرة، فأنى بها أن تتصدى للوضع المعيشي والاقتصادي الضاغط، الامر الذي دفع أبناء المدينة الى افراز ممثلين محليين يعبّرون عن نبض الشارع، تجلّى ذلك بوضوح بتحركات المجتمع المدني والاهلي المتصاعد من خلال الدعوة الى الاضراب أمس والحداد ايضاً وللاعتصام غداً في ساحة التل، وكلها لاقت آذاناً صاغية واستجابة واسعة من أغلبية المواطنين.
ان ظهور قيادات محلية لها تأثيرها المباشر في المناطق الشعبية يؤشر الى فشل ذريع لوزراء طرابلس الخمسة، وظهر من خلال الاتصالات والمشاورات التي قامت بها مباشرة مع الاجهزة الامنية لتسهل عملية انتشارها في الاحياء التي كانت مسرحاً للاشتباكات.