ليس ما هو اصدق من اي يرفض المرء حوارا يعرفه سلفا بانه لن يكون اكثر من فخ وملهاة وتضييع للبيت القصيد.
بالامس طلع علينا الامين العام لـ"حزب الله" بدعوته الى مؤتمر تأسيسي للبنان جديد – فوضع بذلك السقف المطلوب من اي طاولة حوار على اساس الاطاحة بصيغة لبنان وتوازناته التاريخية واتفاق الطائف ودستور الجمهورية الثانية.
ومنذ ايام قال الشيخ نبيل قاووق إن سلاح المقاومة هو الاساس في حماية السيادة، اما سلاح الزواريب والشوارع فهو الذي يهدد استقرار لبنان.
وكذا قالها الشيخ نعيم قاسم منذ ايام بان لا يتعب الباحثون عن مخرج لسلاح المقاومة انفسهم "لان سلاح المقاومة باق ما دامت اسرائيل موجودة وتشكل خطرا علينا…".
هكذا نسنتنج بأن فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان دعى صادقا الى انعقاد طاولة للحوار الوطني فيما تولى "حزب الله" استباق انعقاد طاولة الحوار بوضع جدول اعمال هذه الطاولة وسقوف البحث في مواضيعها.
فما من احد يرفض الحوار… وما من احد ضد مبدأ الحوار… ولكن …
عن اي حوار نتكلم؟
اذا كنا بصدد الاعداد لحفلة علاقات عامة جديدة يظهر فيها قادة البلاد وزعماؤها متعانقين مبتسمين حول مائدة قهوة وشاي وربما مناقيش وسندويشات شاورما … فلما لا تتم دعوتهم الى حفلة ساهرة في احدى فنادق لبنان الفخمة ليتصوروا ويتأنسوا وينقل الحدث مباشرة على الهواء من قبل وسائل اعلام 8 و14 اذار فيطمئن الناس وتهدأ النفوس… ربما تكون هذه المحاولة افيد من طاولة حوار "ناشفة" وجدية… وبلا نكهة…
اما اذا كنا بصدد العمل على انعقاد طاولة حوار مجدية ومنقذة وهادفة للوطن والمواطن فينبغي ان نطرح على انفسنا السؤال الكبير: حوار حول ماذا وبماذا؟
فاخطر ما يمكن ان يحصل في جولة حوار جديدة غير مدروسة هو الخروج منها بتشنجات جديدة واختلافات اعمق وتباينات اخطر من التي كانت الى حد الآن… والاخطر من ان نقول تلك الحقيقة هو ان نعود للتكاذب بين بعضنا لايهام انفسنا بأن هذه المرة ستكون غير كل المرات…
في ظل منطق السلاح… ونظرة الاستعلاء والاستكبار الممارس من فريق من اللبنانيين بحق فرقاء لبنانيين اخرين نسأل، ومن حق كل مواطن ان يسأل: الى اي حوار يهرول المهرولون؟ وفي طليعتهم والاكثر حماسة بينهم جميعا هذه المرة "حزب الله" نفسه وحلفاؤه بدءاً من العماد عون الذي رغم خلافاته وتهجماته على الرئيس سليمان فهو سيشارك في طاولة الحوار…
غريب هذا الحماس المفاجىء من طرف من كان سبب توقيف وتعليق وتفشيل اخر طاولة حوار منذ سنتين…
المشكلة التي لا يفهمها بعضنا هي في انه يرى في الحوار غاية بحد ذاتها… سندا لمنطق "المهم ان تنعقد"… لكن كيف؟ ولماذا؟ وعلى اي اساس؟… لا يهم …
اما نحن فإننا نريد الحوار وانعقاد طاولة الحوار ولكن بمنطق: حوار لماذا؟ وعلى ماذا؟
فلا يمكن لعاقل ان يقبل بطاولة حوار "التحصيل الحاصل":
فمن باب التحصيل الحاصل وحتى اشعار اخر ان الحوار المقبل لن يحسم مشكلة السلاح غير الشرعي…
ومن باب التحصيل الحاصل ان الحوار المقبل لن يحسم موضوع السلاح الفلسطيني من خارج المخيمات تطبيقا وتنفيذا بعدما اقر منذ سنوات على نفس الطاولة التي يدعوننا اليها اليوم مجددا…
ومن باب التحصيل الحاصل ان الحوار المقبل لن يقنع "حزب الله" بتقديم استراتيجية دفاعية تضع سلاحه تحت امرة الدولة…
ومن باب التحصيل الحاصل ان الحوار المقبل لن يقنع "حزب الله" بان فلتان السلاح في المناطق اللبنانية عائد الى تسيب السلاح غير المقاوم في البلاد وسيطرته على مفاصل القرارات وسياسات الحكومة والدولة…
ومن باب التحصيل الحاصل ان الحوار المقبل لن يبدل في نظرة "حزب الله" الى "14 اذار" وقوى ثورة الارز على انهم اعداء المقاومة وحلفاء المشروع الاميركي – الاسرائيلي في المنطقة…
ومن باب التحصيل الحاصل ان الحوار المقبل لن يقنع "حزب الله" بان بناء الدولة التي نتفق جميعنا على غيابها يتطلب من الحزب اولا الاعتراف باحادية الدولة وحصرية اختصاصاتها وفي طليعتها اختصاصاتها الامنية والعسكرية والسيادية…
ومن باب التحصيل الحاصل ان الحوار المقبل لن يستطيع جعل "حزب الله" يتنازل عن احندته الاقليمية في دعم محور النظامين السوري – الايراني…
ومن باب التحصيل الحاصل ان الحوار المقبل لن يتمكن من اقناع "حزب الله" بأن سلاحه لم يعد في نظر غالبية اللبنانيين سلاح حماية للبنان، بل سلاح فرض وقوة واستبداد وانحياز طائفي ومذهبي لا يشعر الفئنات اللبنانية الاخرى بالاطمئنان والسكينة…
فأي حوار اذا يردوننا ان نقبل اليه وجدول اعماله وضعه مسبقا "حزب الله" …؟
