كتب عباس الصباغ في "النهار":
دفعت حوادث الشمال بالسيد حسن نصرالله الى اطلاق مبادرة وصفت بالتاريخية لـ"حزب الله" المحاصر من خصومه بشبهة السعي لإقامة جمهورية اسلامية في لبنان.
مبادرة الامين العام لـ"حزب الله" في مناقشة فكرة تأليف مؤتمر وطني تأسيسي يكون اعضاؤه اما معينين او منتخبين على اساس النسبية او يمثلون شرائح المجتمع اللبناني، يعطى المؤتمر مدة 6 أشهر أو سنة لمناقشة كل الخيارات المطروحة للحوار "فنعالج الأسباب وكيف نبني دولة حقيقية".
"هاجس المواجهة الطائفية"
طرح نصرالله يعتبره مواكبون لمسيرة الحزب نقلة غير عادية في تاريخ تنظيم لبناني نشأ مقاوماً للاحتلال الاسرائيلي ومتكئاً الى البعد الديني على اساس ولاية الفقيه.
لكن ما الذي دفع قيادة احد اكبر الاحزاب اللبنانية واقواها الى تبني خيار الدعوة الى عقد اجتماعي جديد في لبنان ومن خلاله يلاقي شخصيات سياسية ودينية عدة بينها من يخاصم الحزب او على الاقل لا يتفق مع سياسته.
الاوساط المتابعة لمسيرة الحزب في العقدين الاخيرين تربط بين حوادث امنية متنقلة تشهدها البلاد وهواجس السيد نصرالله من ترجمة هذه الحوادث في صراع شيعي سني، بعدما اضحت الاجواء الداخلية والخارجية خصوصاً بعد ثورات الربيع العربي مؤاتية لاحتضان فصوله الكارثية. وترى هذه الاوساط ان حوادث الشمال التي اختير شهر ايار مسرحاً لعرض بعض فصولها، جاءت وكأنها اعادة اعتبار لـ"نكسة الخامس والسابع من ايار عام 2008"، اعادة الاعتبار هذه وان اتخذت مظهراً مخالفاً لما دأب خصوم "حزب الله" على تكرار توصيفهم لما سموه استباحة الحزب وحلفائه بيروت وبعض مناطق الجبل، تجاوزت الوئام الذي لطف الاجواء بين "تيار المستقبل" و"حزب الله" فأثمر حكومة الوحدة الوطنية بمثلثها الذهبي "الشعب والجيش والمقاومة" برئاسة الرئيس سعد الحريري.
وكسر حدة الاحتقان السياسي والمهدد بالترجمة الميدانية بين الخصمين السياسيين الاساسيين في لبنان، الدور الايجابي للرئيس الحريري في سعيه لاطلاق سراح اللبنانيين الـ11 المحتجزين مع احدى المجموعات السورية، اذ ارسل له من بنت جبيل عبارات الشكر.
الاجواء الايجابية لا تخفي بحسب اوساط متابعة القلق من توازنات ايار 2008 وايار 2012، وتعتبر ان التيار السيادي وعلى رأسه "تيار المستقبل" الذي ما برح يجاهر بالتزامه مشروع الدولة واخذه على خصمه السياسي المتمثل بـ"حزب الله" تقويض الدولة ومؤسساتها على الاقل في مناطق نفوذه، بات اليوم وتحديداً بعد حوادث الشمال وبيروت في منزلة خصمه "حزب الله" وليست عبارة السيد نصر الله "اننا كلنا بالهوا سوا" الا ترجمة لواقع مفاده ان معظم القوى الاساسية في البلاد باتت من حيث تدري او لا تدري تساهم وان بنسب متفاوتة في ضرب هيبة الدولة.
كلام نصرالله جاء بعدما طفح الكيل من الهجوم على سلاح حزبه، فمنذ سنوات يتركز الهجوم عليه الى حد بات سياسيون يصفون "حزب الله" بحزب السلاح، لكن بعد الظهور العلني للسلاح في الشمال وانتشار المسلحين بشكل كثيف في الشمال والطريق الجديدة وكركاس ومناطق اخرى افرغ ذلك التوصيف من مضمونه، ويعزز هذا التفسير تصريحات الرؤساء والوزراء ومعظم السياسيين التي تتقاطع عند حقيقة واحدة "السلاح موجود في كل المناطق ولا بد من ضبطه".
الجيش: عسكر فوق ألغام سياسية
لكن اكثر ما يسترعي الانتباه ذلك الهجوم المنظم على المؤسسة العسكرية قبل حوادث الشمال وبعدها، واخطرها المجاهرة بالدعوة الى انسحاب الجيش من مناطق حدودية بدءاً من الشمال المحاذي للخاصرة السورية الرخوة ما يستحضر نتائج زيارة السناتور الاميركي جوزف ليبرمان الى منطقة عكار وقبلها زيارة وفد السفارة الاميركية الى المنطقة عينها وتفقده مطار القليعات بالتزامن مع دعوات لإعادة تشغيله تحت حجج انمائية واقتصادية.
في المحصلة لم يعد التذرع بأحداث السابع من ايار مجدياً بعد احداث العشرين منه، وليس مشهد قطع الطرق في بيروت تزامناً مع حوادث في مناطق شهدت الحال نفسه صبيحة السابع من ايار، الا تعبير عن توازن القوى على" خطوط التماس" بين مناطق النفوذ الزرقاء" و"الصفراء" وبات الجميع بحاجة لازالتها ان عبر الحوار في بعبدا او في مكان آخر.