#dfp #adsense

في فن المحادثة وخطأ الإملاء

حجم الخط

 قرأت نعي نصير الاسعد لأعرف اين مجلس العزاء، فوجدت في الأسطر القليلة صورة لبنان الذي حلمنا به، وعاشه نصير بتواضع، وعفوية، وصدق: بيك من آل الاسعد، ينضم الى منظمة العمل الشيوعي، يتقدم الحركات الطالبية غير الطائفية، يناصر الفلسطينيين، أيتام العرب، ثم بالروح نفسها، وأعالي الخلق نفسه، سياسياً في تيار المستقبل.

وفي صيغة النعي واسماء النعاة، استطراد عفوي كذلك، للإطار الحياتي الذي كان اطاره. فالآسفون من أصهار وأنسباء، من جميع الاديان والمذاهب. الصديقون امثال نصير الاسعد، يحضرون في الدنيا سراجات تقاوم رياح الانطفاء، واذ يحل الغياب يتألقون مصابيح معلقة.

شعرت في مجلس العزاء بخجل لأنني لم أعرف نصير الاسعد كما عرفه هؤلاء السادة القادمون من كل فئة وجهة ونزعة.
ولعل كثيرين منهم، تولتهم عقدة ذنب، بأنهم لم يقدروا ان يكونوا في مثل ثبات نصير الاسعد، البيك الذي ترك عباءة الاقطاع في الجنوب، ونزل بيروت يدفع بكل قواه قافلة الفقراء والبسطاء.

يُطلَق على الصحافة أحياناً انها رسالة بسبب من هم في صدقه. ويبدو في عتم السياسة نور شاحب حين يدخلها أمثاله. ويقاوم هؤلاء العزل إطفاء الأمل الضئيل في قيام شيء من وطن ودولة.
كان نصير الاسعد نموذج المحاور الاصيل. واحد من سرب وجيل منع من اقامة وطن له هوية واحدة: عزة السيادة وتواضع النفس. لا اقطاع موروثاً ولا اقطاع يورّث. لا احلاف تكبل ولا صداقات تذل. بل قاعدة بسيطة واضحة للعيش وللحيلة، لا فلسفة فيها ولا جمل كالملفوف: فلنحيَ معاً بدل ان نموت بعضنا ضد البعض.

يقول المفكر الراقي الدكتور منوال يونس: "لا بد من الاسراع الى اسقاط كل امتياز طائفي في الصيغة العتيدة(1)، مقابل نصوص دستورية تضمن احترام كل فئة لبنانية – أقلية كانت أو أكثرية – واحترام حقها في الاشتراك المتساوي في الحكم وفي تقرير الامور المصيرية". لا يمكن، في بلد مثل لبنان، "ان تستقيم الديموقراطية على يد اكثرية واحدة، مهما بلغت هذه الاكثرية من قدرات"، يقول الدكتور يونس.

أنقل أيضاً عن المفكر الذي لم يعط حقه مثل ميشال شيحا، قوله في كتاب "الصداقة" الصادر عن الاونيسكو، ان عشرات آلاف الكتب قد صدرت عن الحب ولم يصدر الا القليل عن هذا الأنس الحياتي، المعروف بالصداقة. هذا ما يجب ان تقوم عليه الأوطان، متآخية أم متضاربة، الصداقة التي تجمع بين الناس، وتتسع لاختلافاتهم وخلافاتهم وتنوعهم الطبيعي أو المكتسب. الحب شغف، الصداقة انتقاء، ضوء لا اشتعال.

دعوة الرئيس ميشال سليمان الى الحوار في هذه الايام الصعبة يجب ان تكون مقدمة للبحث في الاستراتيجية البقائية وليس الاستراتيجية الدفاعية. كيف نحرر أنفسنا أولاً. كيف ننتمي مثل سائر البشر، الى دائرة وطنية واحدة، مهما تنوعت ينابيعها وثقافاتها. ثم كيف يكون ذلك: إعادة النظر في النظام؟ أم إعادة النظر في مواقف الجماعات من رؤيتها الى بلدها؟

أي بلد في الارض يمنّنه أهله بأنه "وطن نهائي"؟ أي دولة تقسم الى "وجه عربي" وأعضاء اخرى حائرة الملامح والتشابيه؟ كيف يمكن الاتفاق على استراتيجية دفاعية اذا كنا متنازعين على هوية الوطن الذي يفترض ان ندافع عنه؟ وأين هي عبر التاريخ، مشكلته الوجودية، في الارض المحتلة أم في النفوس المحتلة؟

ان وجود رئيس جمهورية مترفّع، ومتوازن، لا ينتمي إلاّ الى قسمه، ولا يخاف الا المساس به، فرصة للخروج من الحوار المرحلي الى اتفاق دائم، لا على "نهائية" الوطن المذلّة والمضحكة، بل على سبل الحياة فيه. وليس على كيفية حمايته من العدوان فحسب، بل على كيفية صونه من القتل اليومي والتدمير اليومي والسفه اليومي والدخان الاسود على الطرق الدولية وطريق المطار الدولي.

مثل هذا المفهوم الحضاري القابل للحياة والالتزام، لا يضعه السياسيون. هؤلاء، أهداف صغيرة، قصيرة، وقلوب فاحمة. هذا تعاهد انساني عال ينبع من كتب السماح وليس من سلوك من يدعونه. مفهوم، لا مكان فيه للحقد ولا للتكبر ولا للاحتكار ولا للعنف، بصورته المباشرة، أو بظاهرته اللفظية الأشد فظاعة وانحطاطاً. يدعى الى وضع مثل هذا العقد، رجال العقل، والمنطق، وعلماء القانون، وليس مهرجوه. يجب ان يحمل العقد تواقيع لا يشوّه حبرها ضعف النفس. وزوال الكلام ونكث العهود.

نتمنى ان يكون هذا العقد هو ما يحمل توقيع الرئيس سليمان، وليس ما يُدعى قسراً الى توقيعه من مقايضات في الحسبة. اذا كان النظام الحالي يجعل امضاء رئيس الدولة مجرد رفع عتب بروتوكولي، فالتحدي هو ان يُرفع العقد الوطني الى مستوى توقيع الرئيس. لا يمكننا ان نظل هكذا، مركباً ورقياً بين عواصف الخارج وكاوتشوك الداخل، بارتخائه وفحمه وتلوثه الكريه.

تكتب النصوص للأنفس الهزيلة والجاهلة، في كل البلدان. النفوس العزيزة على أهلها تصير هي النص. هي المادة وهي شرح بنودها. هذه النفوس العليا تتسامى فوق طوائفها ومناطقها وأجواء الصغائر المحيطة بها، وتنتقل الى السكن في ضميرها، لا يهددها فقر، ولا يغريها غنى.

كذلك كان نصير الاسعد، الذي جلس اللبنانيون مثل تلامذة المدارس في عزائه، لا تعرف من هو المعزّي ومن هو صاحب العزاء.
تبنى الامم على الزاهدين، لا على المندلقين وشرهاء الفجع. في كتابه "من الجندية الى الديبلوماسية" (2) يتذكر اللواء أحمد الحاج المسؤوليات التي مرّ بها. ويذكر ايضاً تلك التي عزف عنها، مقدماً سلام الضمير على بهرجة اللقب. غير مرة مرّت به رئاسة الحكومة وتركها تمضي. كان للجندي الملتزم والمتزمّت عقل سياسي ليّن لا رخو. وكانت للجندي والديبلوماسي مدرسة واحدة: الحكمة والضمير.

كانت الناس متنازعة والبلد منشقاً والدولة متهافتة والثورة الفلسطينية تجتذب المسلمين الى صفوفها. يومها قال الجندي السني أحمد الحاج لزملائه الضباط: لقد اقسمتم على حماية الوطن ووحدة الجيش. من كان قسمه زيفاً فليفعل ما يشاء. نحن باقون هنا، في الوطن وفي الجيش.

سألت الدكتور منوال يونس ان كان ملائماً البحث في النظام، والدنيا عواصف. قال، الحكيم الذي يخشى عشوائية العاصفة يرفع نازع صواعق بمجرد تلبّد الغيوم. هذه شجاعة نبيلة من رجل حالت كفاياته الكبرى دون المواقع السياسية في لبنان. أنا، بسبب ضعفي الدائم، لم أعد أضع أملاً في شيء. أخشى ألا يغرق اللبنانيون بين فن المحادثة ودروس الاملاء. ليس بسبب عامل السلاح، فهذا بلد مدجج منذ ما قبل قيامه. وبلد متنافر. ومخادعاته كثيرة ومضللة. ويندر فيه أصحاب الوعود والعهود والثقاة.

المسألة هي: هل هناك إرادة وطنية أولاً؟ هل نريد انصاف من يلزم انصافهم، أم تكريس ظلم جديد؟ هل وطن مقسم وفق "القوى" أو بالعدالة والمساواة؟ هل بلد بأعلام كثيرة أو "بمنازل كثيرة" كما قال كمال الصليبي؟ بلد يحكمه عبد الحميد غالب أو أبو حسن سلامة أو غازي كنعان، أو بلد يشعر بالخجل من كلمة استقلال ومن حياة الدول الأخرى؟

لا بدّ ان نشعر بالخجل ونحن نتداعى الى الحوار. هل نسينا ان رئيس حكومة سابقاً وزعيماً سياسياً يمثل نصف البلد غير قادر على العودة الى لبنان؟ وان نائباً لبنانياً تمنحه نيابته الحصانة، لكنها تعجز عن منحه الحماية للعودة الى دياره وكرسيه في البرلمان؟ حاشا ان نضيف الى اليأس الذي لا فيض الا منه ولا طمي من سواه.

ولكن نحن تبلدنا. لا حلم ولا أمل. صرنا واقعيين مثل الأفلام الايطالية، التي تطلعت في الايطاليين ونسختهم نسخاً (الكزّ، بالعامية). وعندما كنا نخرج من تلك الافلام، كانت عيوننا دائماً متورّمة من البكاء، إما حزناً وإما ضحكاً. إما ايطاليون تذلّهم الحرب، وإما ايطاليون يحولهم السلم باشاوات ومافيات وسنيوري دوتوري! إهه!

المصدر:
النهار

خبر عاجل