#dfp #adsense

محاولات اغتيال جعجع مستمرّة

حجم الخط

كتب طوني عيسى في "الجمهورية":

منذ أن أخطأته رصاصات القنص، وهو في منزله الحصين في معراب، يبدو الدكتور سمير جعجع في وضعية المستهدف دائماً. والإشارات إلى ذلك لا حصر لها، وسؤال النائب إيلي كيروز للحكومة يترجم بعضها.

العديد من المرجعيّات السياسية والأمنية تتقاطع معلوماتها والتحليلات حول ثلاثة قادة لبنانيّين، هم اليوم الأكثر عرضة للاستهداف. والاستهداف هنا سياسي كما هو جسدي، وهم:

– الرئيس سعد الحريري الذي يبتعد جسديّاً لضرورات باتت معروفة. وعلى رغم الدعوات التي تُوجَّه إليه للعودة، فإنّ ثمّة مقرّبين بينهم أمنيّون، إضافة إلى ديبلوماسيّين، يحذّرون من مغبّة استهداف الحريري عند عودته إلى لبنان. وهذا السيناريو تعرّض له في السابق الشهيد جبران تويني. ولذلك، ليس سهلاً قرار العودة، وإن تكن هناك تداعيات لغياب الحريري عن جماهير تيّار "المستقبل" و"14 آذار" عموماً. وسيكون الحريري أمام امتحان العودة "اضطراراً وظرفيّاً"، إذا ما قرّر المشاركة في الحوار… وشخصيّاً.

– النائب وليد جنبلاط الذي قطع كلّ الجسور مع النظام السوري. والمعلومات الأخيرة عن مخطط لاستهدافه والنائب أكرم شهيّب تؤكّد المخاوف. لكنّ جنبلاط يتمايز عن رفاقه السابقين في "14 آذار" بأنّه ما زال حاجةً سياسيّة لـ"حزب الله" وحلفائه في "8 آذار". إنّه الشريك اللدود، الذي لا بدّ منه لاستمرار الغالبية والحكومة. ولولا الحاجة الماسّة إليه، لكان جنبلاط تجاوز الخطّ الأحمر الأمني مسافات قاتلة. ولذلك، هو يطمئنّ إلى الوعد الذي قطعه لـ"الحزب" بأنّه قد تغيَّر… في دمشق، لكنّه باقٍ حيث هو في لبنان. وموقف جنبلاط الإيجابي من الحوار، والسلبي من شروط "14 آذار"، يريحه ويضعه في مستوى أقلّ من الخطر الجسدي.

– الدكتور جعجع الذي يعيش إشكالية الخطر من بوّابتين: فلا هو كالحريري يحمي نفسه وتموضعه السياسي بالابتعاد الجسدي عن الساحة، ولا هو كجنبلاط يحمي نفسه بإبقاء شعرة معاوية مع "حزب الله". ولذلك هو يقف اليوم عاري الصدر في مواجهة الضغوط السياسية والأمنية على السواء.

هدوء وحذَر في معراب

سأل كثيرون في الأسابيع الأخيرة: لماذا تلتزم "القوات اللبنانية" درجة من التحفّظ والحذر في التعاطي مع الحدث الشمالي، والذي لامست عواصفه بيروت. ولماذا تميّز أداؤها بالتروّي في إطلاق الموقف، في شكل استثنائي. ففي ملف اعتقال شادي المولوي، ومقتل الشيخين أحمد عبد الواحد ومحمد مرعب ثمّ شربل رحمة على حاجزين للجيش، جاءت مقاربة "القوات" هادئة وواقعية. فالتسرّع في إطلاق الأحكام والتقديرات، ولو كانت بريئة ومبنيّة على وقائع ومعطيات، ربّما يشكّل ذريعة يستغلّها بعض الذين ينتظرون "على الكوع". وفي مراحل سابقة، جرى استخدام نماذج مماثلة لاستهداف "القوات" وقائدها.

والدليل على الرغبة في بعث الظروف "البعثية" القديمة، الاستفاقات المدروسة لملفّ اغتيال الرئيس رشيد كرامي، عند الحاجة، وإعادة تسليط الصورة في اتّجاه معيّن، علماً أنّ الرأي العام اللبناني عموماً، والسنّي خصوصاً، بات يشهد تحوّلاً لوضع عملية الاغتيال في أحضان النظام في سوريا. وعبّر النائب خالد الضاهر عن ذلك.

وأمّا في اختراع فكرة الحوار، فتُراهن بعض القوى على أنّ المساعي العربية والدولية ستفرض على فريق "14 آذار" إمّا التشرذم وإمّا الانصياع للعبة إضاعة الوقت. وفي تقدير هذه القوى أنّ "المستقبل" لن يخالف الرغبة السعودية في المشاركة في الحوار، وهذا ما يجعل حليفه المسيحي مستفرداً، خصوصاً أنّ "الكتائب" أعلنت عزمها على المشاركة. "فإذا لم يستجب جعجع للدعوة إلى الحوار، ستنطلق الماكينة السياسية والإعلامية المعروفة لقطف الثمار، داخليّاً وعربيّاً ودوليّا"، والمطالبة بإبعاد "القوات" عن القرار باعتبارها طرفاً سلبيّاً ومعرقلاً للحوار".

وكلّ ذلك، وسط سعيٍ إلى التأثير على موقع "القوات" مسيحيّاً، وبعد تكليف عون باستفزازها، تقوم "الماكينة" إيّاها بتظهير التباين بين "القوات" وبكركي، علماً أنّ ما يجمعهما في العمق أكبر ممّا يفرّقهما. وكذلك يجري اللعب على التمايز بين "القوات" و"الكتائب" في بعض الملفّات، على رغم الالتزام الوثيق الذي يُعبِّر عنه الكتائب بخط "14 آذار".

حروب الإلغاء الجديدة

أمنيّاً، من خلال محاولات الاغتيال وافتعال الإشكالات، وسياسيّاً من خلال الحملة المُبالَغ فيها والمتشعّبة الاتّجاهات والمصادر على جعجع دون سواه، أو أكثر من سواه، ثمّة اقتناع بأنّ هناك محاولات لإلغاء "القوات اللبنانية" من المعادلة مرّة جديدة. وفي عبارة أكثر وضوحاً: محاولات اغتيال الدكتور سمير جعجع مستمرّة، في أشكال سياسية. وربّما تستطيع الأجهزة الأمنية والقضائية، التي تتولّى متابعة ملف الاغتيال في معراب، أن تجيب عن السؤال عمّا إذا كانت محاولات الاغتيال مستمرّة أيضاً في أشكالها الأمنية.

وجاء السؤال الذي وجّهه النائب إيلي كيروز إلى الحكومة عبر رئيس المجلس النيابي ليثبت الهواجس: لماذا كانت "داتا" الاتّصالات تُعطى دائماً لكنّها حُجِبت في محاولة اغتيال جعجع؟ ولماذا عدم إحالة الملف إلى المجلس العدلي على رغم مرور شهرين على المحاولة؟ وما هو مغزى عدم قيام وزير الدفاع فايز غصن بما تمليه عليه المسؤولية في تلك المنطقة منعاً لتكرار المحاولة؟

هذه المعطيات المقلقة تدفع "القوات" إلى مزيد من الهدوء في التعاطي مع الملفّات والنقاط الساخنة، وفي مقدّمها الحوار، وإلى مقاربتها بإيجابية لا بسلبية، أيّاً تكن الاستعدادات للمشاركة أو عدم المشاركة في هذا الحوار. وثمّة شيء واحدٌ يحمي جعجع من محاولات الاستهداف. وهذا الشيء هو عينُه الذي يحمي سائر رفاقه في "14 آذار": عدم تحقيق الهدف بشرذمة "14 آذار"، لا في الحوار ولا الانتخابات ولا سواها.

لم يبقَ لـ"14 آذار" الكثير للمراهنة عليه… فحتى على ردائها اقترعوا وفي استطاعتها الانطلاق مجدّداً في أيّ لحظة… إذا قرّرت هي نفسها عدم الاستسلام.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل