تحلّ الذكرى الخامسة والأربعون على هزيمة العرب القومية في حرب حزيران ، والتي هي بالدرجة الاولى هزيمة لحركة القومية العربية، في وقت لا تزال تمسك فيه "المراوحة التاريخية" بتلابيب ما شاعت تسميته "ربيعاً عربياً" بعد تتابع الحالات الانتفاضية والأوضاع شبه الثورية في معظم البلدان العربية التي تتبع النظام الجمهوري، ونعني بهذه المراوحة التاريخية بالدرجة الأولى رفض الطغم العسكرية المسؤولة عن الهزيمة العربية في حزيران لحكم التاريخ الصادر بحقها الى الآن.
فبخلاف النتائج الثورية لحرب فلسطين عام التي مهدت سريعاً لقلب الأوضاع في أكثر من دولة عربية، لمصلحة العسكر وسياساتهم القمعية بالدرجة الاولى، انما ايضا ومن خلالهم لمصلحة توسيع القاعدة الاجتماعية المساندة للأنظمة السياسية، فان حرب حزيران كفلت للعسكريتاريا في مصر وسوريا تحديداً الاستمرارية، ومن دون قناع بعدها، بل من دون انهماك بالبحث عن مصادر الشرعية.
هذا، مع المسارعة الى فارق أساسي وبنيوي بين الحالتين، يعود الى الطبيعة الفئوية المذهبية التي تحكم التراتبية في الجيش السوري، والى الشهوة الشمولية التي تشتاق اليها الايديولوجيا البعثية، والى السمة الدموية النافرة لحكم البعثيين سواء في العراق أو في سوريا، مع ملاحظة انه لئن بقي لصدام حسين تصدّر الشرّ البعثيّ من حيث الكم (حلبجة وأخواتها)، وبسبب اتساع مساحة "القطر العراقي" قياساً على القطر العربي السوري، وبما بدا حرباً للعشيرة الطليعية على الريفيين من كرد وشيعة، فقد احتفظ حافظ الأسد لنفسه بالمركز الثاني من الهمجية البعثية، مع نيله الأولوية في تدمير المدن على أهلها (حماة )، وما زال بشار الأسد قياساً الى صدام ووالده في المرتبة الثالثة في الهمجية البعثية من حيث كم الضحايا، لكنه يتفوق عليهما في اثنتين: امتداد مساحة الجرائم والمجازر اليومية على كل المساحة الجغرافية ومعظم المساحة السكانية في وقت واحد، لأكثر من شهراً حتى الآن، وخساسة يسجّل لصدام حسين وحافظ الأسد انهما لم يصلا اليها يوماً، فصدّام كان يصف زبانيته بالنشامى، أما بشار الأسد فيصف أتباعه بأنهم "وحوش"!
فلئن أصرّت العسكريتاريا في البلدين المعنيين مباشرة بهزيمة حزيران، مصر وسوريا، على الاستمرار في السلطة والتسلّط، وعلى "المراوحة التاريخية" طيلة الـ سنة الأخيرة، فقد أتى ذلك بشكل مختلف الى حد بعيد، ويبدو فيه الاستبداد الفرعوني على الطريقة المصرية رحمة قياساً الى الطغيان المولوخي (نسبة الى الإله السوري القديم مولوخ المتعطش للدماء) على الطريقة السورية. مع ذلك، نحن أمام اختلاف في التجربة لقول شيء واحد: النخب "التقليدية – الليبرالية الخجولة – العروبية المعتدلة – الرجعية اجتماعياً – المخضرمة عثمانياً وكولونيالياً" كانت رضيت بحكم التاريخ الصادر بحقها عام ، او لم تمانع امامه كثيراً، في حين ان الطغم العسكرية والمخابراتية الانقلابية ما زالت "تحتال على التاريخ"، مع ان أساس الربيع العربي هو انفاذ حيلة التاريخ بحقها.
أما المقلب الآخر من "المراوحة التاريخية" منذ عاما، الى اليوم، فيتعلق بالاسلاميين. فيوم هزمت النخب الوطنية التقليدية عام ، فرضت الافكار والحركات القومية العروبية نفسها كبديل "يتحدى الاستعمار"، أما عندما هزمت الطغم المستندة الى مثل هذه الافكار والحركات في حزيران ، فقد نمت الحركة الاسلامية كالنار في هشيم المجتمعات العربية من دون ان تتمكن في الوصول الى السلطة خارج النموذج السوداني الملتبس والحالة المعزولة لـ "حماس" في غزة. والمشكلة الكبرى الآن مع هذه الحركة أنها تتعامل مع "الربيع العربي" كلحظة يوافيها التاريخ فيها حقها المحتبس طيلة عاماً، في ان تكون الوريثة للطغم المفترض خلعها بنتيجة "النكسة". وقد فات الحركة الاسلامية هنا، كما فات المتخوفين من "صعودها"، ان حركة تقضي كل هذه الاعوام من دون ان تنجح في انتزاع "حقها"، لا بالشارع ولا بالساعد، هي حركة تلبسها "المراوحة التاريخية" نفسها ومن الداخل، ولا تستطيع عنها فكاكاً. مثلها في ذلك، مثل "الاشتراكية – الديموقراطية الالمانية" في "الرايخ الثاني": عطالة تاريخية .. انما ناقص الافكار والبرامج والتقاليد التقدمية والاحلام الجميلة، وزائد الكثير الكثير من الافكار الرجعية وما قبل الرجعية، وما لا حصر له من "وساويس" وشعوذات وتمائم وكوابيس.