#dfp #adsense

حلم رحباني عن باب التبانة

حجم الخط

"صوت المعول احلى من رنين السيف
والرضى احلى من الزعل، والسلام كنز الكنوز"
(رحبانيات)
 
جسر القمر:
مسرحية "جسر القمر" الغنائية هي احدى روائع الرحابنة في عصر البراءة، قدموها سنة 1962 تحت اعمدة "معبد جوبيتر" في بعلبك.
تروي المسرحية قصة ضيعتين متجاورتين يجمع ويفصل بينهما "جسر القمر". وعلى الرغم من ذكريات الماضي الطيبة من مصاهرة ومحبة وتعاون، فقد نشأت بين الضيعتين عداوة غامضة وصلت الى حد التقاتل المتكرر، وكانت ضيعة "جسر القمر" في العالي وتتحكم بمصادر المياه، فقطع اهلها الماء عن ضيعة "القاطع" الزراعية، ما ادى الى تدهور اوضاعها لان مواسمها الزراعية تضررت بشكل كبير مما زاد في البغضاء واحتمالات القتال بين الضيعتين.

كان هذا الى ان اتت صبية من عالم الغيب وبدأت تتحدث عن كنز مرصود تحت جسر القمر بحسب وعد اطلقه "ملوك الجان". وسرت الحكاية الى ان اصبحت مدار حديث الناس.

في احد الايام قرر اهالي "القاطع" الهجوم على "جسر القمر" لاسترداد حقهم بالماء، وكان مكان المواجهة عند جسر القمر، وهنا ظهرت الصبية لتعلن ان الكنز المرصود سيظهر في ذلك اليوم، فترك المتقاتلون اسلحتهم وحملوا المعاول وبدأوا بالحفر سوية للبحث عن الكنز الى ان انهكهم التعب، فما كان من الصبية الا ان اعلنت بأن المحبة والتعاون والسلام هي كنز الكنوز.

هنا ادرك شيخ ضيعة "جسر القمر" المغزى وأمر بفتح مجاري المياه لتعود وتروي ارض "القاطع"، فتصالح الاهالي وعاد السلام والتعاون ليجمعا بين الضيعتين.
جميلة هي فلسفة الرحابنة التبسيطية التي ترى الامور بكونها صراعاً ازلياً سرمدياً بين الخير والشر، وبأن الخير ينتصر في النهاية بمجرد صحوة ضمير حتى اعتى المجرمين. لم يدخلوا في منطق نسبية الامور وبأن حتى اعظم الشرور في العالم وجدت لها مسوغات تحت اكثر الشعارات رحمة وطوباوية.

فكم من الحروب والانتهاكات وهدر حياة وحرية الناس حصلت تحت لواء نشر الحق والسلام والحرية. ما لنا ولكل ذلك الآن فالجدل السفسطائي لن ينتهي، ولكل لائحة من المسوغات للافعال التي يقترفها مهما بلغت من وحشية، والواقع هو ان الكثيرين يعتبرون القوة والبطش، وبالتالي الحروب، قدراً وجزءاً من تركيبة البشر وجنوحهم نحو السيطرة على مصيرهم ومصائر الآخرين.

الواقع هو اننا لو راجعنا تاريخ الصراعات لكان واضحاً ارتباطها بفائض من الافكار المسبقة والعداء الاعمى والاساطير والخرافات والشعارات والماورائيات لدرجة تغييب اسباب الصراع الاساسية وبالتالي استحالة ايجاد حلول لها من خلال الحوار.

واقع الحال:
هذا بالضبط ما تحكم بجرح باب التبانة المفتوح منذ سبع وثلاثين سنة، فجأت، ومن دون سابق انذار، بدأت الاشتباكات بين ضفتي "شارع سوريا" الذي كان شريان طرابلس التجاري والذي كان يتشارك في الارتزاق منه كل أبناء المدينة، وربما معظم المناطق المحيطة بطرابلس. لقد كان الآلاف من العمال وصغار الكسبة من اصحاب حرف صغيرة ودكاكين يعيلون عائلاتهم من هذا المكان بالذات، وقد تمكن الكثيرون منهم من ان يدفعوا ابناءهم الى العلم وبالتالي الخروج من دوامة الفقر وبالنتيجة هجرة "بئر الحرمان" كما كان البعض يلقب باب التبانة.

قيل لنا يومها ان الصراع غير طائفي، بل انه نتيجة المواجهة المستمرة بين حافظ الأسد وياسر عرفات بخصوص التنافس على "القرار الوطني الفلسطيني المستقل".
وهكذا بدأ الفرز السكاني، فمن كان قادراً نزح الى جنوبي نهر أبو علي، الى احياء اكثر أمناً، وهذا شمل كل الطوائف. ولو قمنا اليوم باحصاء لسكان المدينة لتأكدنا من ان المئات من العائلات العلوية تتجاور مع باقي اطياف المدينة في انتشار عشوائي ضمن الابنية السكنية. أما الباقون فتحلقوا حول "خط التماس" على ضفتي شارع سوريا يطحنون الفقر والخوف واليأس.

رحل ياسر عرفات من طرابلس سنة 1983 بعد معارك طاحنة، ورحل معه القرار الوطني الفلسطيني المستقل الى تونس ومن ثم الى اوسلو، ومن المنطقي الاستنتاج بأن السلام كان يجب أن يعود بزوال أسباب النزاع.
شيء ما خلق حركة التوحيد الاسلامية، فرفعت شعارات جديدة للصراع، معظمها خرافي، ادخل طرابلس بأجمعها في عصر الظلمات الذي دام أكثر من سنتين الى ان تبين ان من يمون على حركة التوحيد هو الولي الفقيه في إيران! مع ان هذه الحركة تحارب النظام السوري في طرابلس، في حين ان النظام السوري متحالف مع إيران؟ تركيبة عجيبة غريبة ولا شك ولكن الاحجية اكتملت عندما اغتال بعدها محمد الشعار، وزير الداخلية الحالي في سوريا، خليل عكاوي، ورعى بعدها مجزرة في باب التبانة حفرت عميقاً في ذاكرة الحقد عند أبناء الضحايا، والخوف من الانتقام عند من اتهموا بهذه المجزرة. لقد أسس النظام السوري من خلال هذه الفعلة السوداء أسباباً جديدة للنزاع لا تزال قائمة حتى الآن يغذيها الحقد والرغبة بالانتقام من جهة، والخوف والجهل من جهة اخرى ولكن العامل المشترك كان دائماً الفقر وفقدان الأمل والحاجة الى "فشة خلق".

هدأت جبهة باب التبانة بعد 1986، ولكن النفوس لم تهدأ وصار الحقد والخوف معززاً بأساطير لا حصر لها، يتوارثها الأبناء عن الآباء.. بالطبع ليست هذه كل الحكاية، فلا شك في ان منطق النظام السوري الظلامي اسس لعصابة من قطاع الطرق في بعل محسن أخذت الناس رهائن الخوف والغرائز لحساب هذا النظام.

امنية من عالم الخيال
وفي المقابل، ليس الكل ملائكة على الطرف الآخر، بل رهائن بدورهم للفقر والحقد والخوف والأساطير. مشكورة جهود المئات من سعاة الخير من جمعية فرح العطاء التي حاولت الوصول بكل ما تملك ومشكورة أيضاً المنظمات الدولية التي صرفت الملايين من الدولارات على مؤتمرات ولقاءات وحواريات فض النزاع في باب التبانة مع ان الاجدى كان لو صرفت هذه الاموال على عمل منتج!

الواقع هو كما قال نزار قباني "كل الدروب أمامنا موصودة، وخلاصنا بالرسم بالكلمات". وأنا أرسم اليوم بالكلمات لمشهد المئات من ابناء باب التبانة على طرفي شارع سوريا يتركون سلاحهم ويضعون عبوات من زهر الياسمين يطلقونها على الضفة الثانية من الشارع الحزين وصوت فيروز يصدح:

"صوت المعول احلى من رنين السيف
والرضى احلم من الزعل
والسلام كنز الكنوز".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل