الإيجابية الوحيدة لخطاب السيد حسن نصرالله الأخير الذي أعلن فيه عزمه الدعوة إلى "مؤتمر وطني تأسيسي" هي أنه كشف، للمرة الأولى، وبشكل مباشر، أن الأزمة في لبنان تكمن في الصيغة السياسية، بمعنى أن الصراع هو على طبيعة الدولة وخياراتها ودورها، أي بما يتجاوز الاستراتيجية الدفاعية إلى إعادة تأسيس هذه الدولة على أسس استجَدّت، بنظر "حزب الله"، منذ التوقيع على اتفاق الطائف.
وما قاله السيد نصرالله لم يكن عفويا أو في لحظة انفعال، إنما أعلنه على طريقة اقتراح ليضاف إلى بنود هيئة الحوار، وعندما يضيف الحزب بندا أو طرحا، يعني أو يفترض كذلك، أن هذا الطرح تمّ درسه وتمحيصه ويجسد رؤية الحزب السياسية.
قد يكون لهذا الطرح أسبابه المتصلة بالتوقيت لناحية شراء الوقت ربطا بالمشهد السوري، أو، وهنا الأهم، إخراج السلاح من التداول الإعلامي والسجال السياسي واستبداله بالنقاش حول رؤية كل طرف للبنان وتركيبته ودوره وهويته السياسية، أي عملية إلهاء "لها أوّل وما لها آخر"، والأخطر، وهذا المقصود بالتأكيد، فَرطعَة التحالفات السياسية القائمة على أساس 8 و14 آذار.
ثمّة اعتقاد لدى "حزب الله" أن ما يجمع بين مكونات انتفاضة الاستقلال هو الاتفاق على الجوانب السيادية المتصلة بالاستقلال الناجز وحصرية السلاح والمحكمة الدولية وهيبة الدولة، وأن الجوانب الإصلاحية هي مدار خلاف وانقسام في الرأي، والدليل التباين حيال قوانين الانتخاب والتمثيل الصحيح واللامركزية، وخفض سن الاقتراع وتعزيز صلاحيات الرئاسة الأولى…
ومن الواضح أن الحزب، وفي لحظة تحولات كبرى وتبدّل في موازين القوى الإقليمية والمحلية، رغب في رمي الكرة في ملعب غيره بهدف حرف الأنظار عن عنوان السلاح، لأنّ خلاف ذلك سيؤدي إلى مضاعفة الضغوط على هذا السلاح، كونه سلاحا إقليميا يعرّض أمن المنطقة برمتها للخطر، فضلا عن أن الحزب يدرك جيدا أنه بعد سقوط النظام السوري سيتحول التركيز مباشرة نحو سلاحه بغية إبعاد النفوذ الإيراني نهائيا عن البحر الأبيض المتوسط والقضية الفلسطينية.
وعليه، فإنّ الطرح الذي تقدم به السيد نصرالله يستند إلى خلفيتين أساسيتين:
الخلفية الأولى استباقية، بمعنى استباق مآل التطورات السورية، وهي محسومة بنظر الحزب، إذ إن سقوط الأسد بات مسألة حتمية، وبالتالي كل ما في الأمر أن الحزب الذي يعتبر سلاحه "مقدسا" وليس في وارد التنازل عنه كونه يشكل علة وجوده، رأى أن أمامه خيارين لا ثالث لهما لإبعاد "كأس" تسليم سلاحه: إمّا إشعال الحرب الأهلية والعودة بالبلاد إلى زمن الترسيمات الطائفية، وهو ما زال يفضّل استبعاد هذا الخيار كونه يحرمه من القدرة على الإمساك بمفاصل الدولة اللبنانية برمتها ويقوده إلى التراجع عن السيطرة على لبنان كله إلى السيطرة على الجزء الشيعي من الجغرافيا اللبنانية.
وإمّا إظهار أن الخلاف بين اللبنانيين يتجاوز سلاح الحزب الذي هو مجرد تفصيل ضمن الخلاف على توجهات الدولة الكبرى، وهذا بالتحديد ما قصده في كلامه عن أن البعض يطرح العلمنة والبعض الآخر الفيدرالية والبعض الثالث تطبيق الطائف…
الخلفية الثانية عملية، وهي تنم عن شعور لدى الحزب بأن المنطقة ستدخل مع انهيار النظام السوري في مرحلة جديدة، وهو في هذه اللحظة بالذات قرر الكشف عن مشروعه السياسي، لأنه خلاف ذلك سيكون مضطرا إلى الخضوع لشروط اللعبة الجديدة.
فالحزب يتحايل إجمالا في مقارباته وأهدافه، فهو قبل الانسحاب الإسرائيلي من لبنان كان يعلن أن سلاحه مرتبط بما يسمّى تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، وبعد هذا الانسحاب دخل في عملية إرباك حيال وظيفة هذا السلاح بين تحرير ما تبقى من الأرض إلى اعتباره سلاحا دفاعيا.
ولكن اللافت أنه على رغم معرفة الجميع برفض الحزب لاتفاق الطائف، لم يسجل له منذ العام 1990 أي موقف يدعو فيه إلى تعديلات جوهرية في هذا الاتفاق.
لقد حاول السيد نصرالله إلصاق الدعوة إلى مؤتمر وطني بغيره، متحججا أن الطروحات التي يسمعها تستدعي مؤتمرا تأسيسيا، ولكنه في الحقيقة وجدها مناسبة لوضع اتفاق الطائف على المشرحة، وفتح باب التعديلات التي يريد عبرها تحقيق هدفين ثمينين: تشريع سلاحه واكتساب حق الفيتو، فهو يعتقد أن حجم طائفته تبدل منذ لحظة التوقيع على الطائف، فضلا عن أن الانقسام في لبنان والمنطقة اختلف وتحوّل إلى إسلامي-إسلامي، وبالتالي يريد إدخال تعديلات تأخذ في الاعتبار هذه التحولات وتضمن نفوذه وحضوره واستمراريته…
