كتب عامر مشموشي في صحيفة "اللواء":
على مسافة أقل من أسبوع على الموعد الذي حدّده رئيس الجمهورية لاستئناف اجتماعات طاولة الحوار الوطني طبقاً لجدول أعمال حدّد نقاط البحث بالاستراتيجية الدفاعية واستخدام سلاح المقاومة كيف ومتى وأين، من دون أن يلحظ الجدول أية مواضيع أخرى، كان رئيس الجمهورية شدّد في أكثر من مناسبة على أهمية طرحها على طاولة الحوار كالوضع السوري وتداعياته على الساحة اللبنانية في ظل الانقسام الحاصل بين مراهن على بقاء النظام ومراهن على سقوطه. نقول على مسافة أقل من أسبوع سارع أرباب الحكومة إلى لمّ الشمل الحكومي وفق خريطة طريق رباعية تبدأ بقوننة الإنفاق المالي من خارج الموازنة وتمتد إلى الاسراع في إقرار موازنة العام الحالي، وإنجاز التعيينات والتشكيلات الإدارية القيادية وغير القيادية وفق الآلية التي سبق لمجلس الوزراء في الحكومة السابقة أن أقرّها، والبتّ في قانون الانتخابات، إلى سلسلة مشاريع إنمائية لمدينة طرابلس والشمال ومثلها لباقي المناطق اللبنانية تحقيقاً لمبدأ الانماء المتوازن.
وقد عزت المصادر السياسية المواكبة لحركة الحكومة المتعثّرة منذ تأليفها إلى الخلافات المستحكمة بين مكوناتها، ولا سيما بين رئيسها ومعه وزراء رئيس الجمهورية ورئيس جبهة النضال الوطني وبين وزراء تكتل التغيير والاصلاح ومعهم وزراء حزب لله وحركة أمل حول المشاريع المطروحة من قبل وزراء التكتل كمشرع الكهرباء ومشروع الإنفاق من خارج الموازنة، الى المشاريع ذات الطابع الاجتماعي كمشروع زيادة الأجور وقبل هذا وذاك مشروع التعيينات والتشكيلات الإدارية الذي أصرّ وزراء التكتل على الاستئثار بالمراكز المسيحية من منطلق أنهم يمثلون المسيحيين في الحكومة ومن حقهم أن يستأثروا بالحصة المسيحية في الإدارة ما أثار اعتراض رئيس الجمهورية على هذه السياسة وحظي بدعم رئيس الحكومة ورئيس جبهة النضال الوطني ما أدى إلى تجميد التعيينات والتشكيلات وانعكس شللاً على عمل الحكومة، بما أدى إلى عجزها عن القيام بأي عمل منتج طيلة الفترة التي مضت عليها في الحكم، وهذا العجز أثار استياءً واسعاً عند أغلب اللبنانيين ووصل البعض الى وصف الحكومة بأنها أسوأ حكومة مرّت على لبنان منذ الاستقلال.
من جهتها إستغلت المعارضة هذا الأمر لتفتح النار على الحكومة، وتُطالب برحيلها، بعدما أثبتت عجزها عن تحمّل المسؤولية في الظروف العادية فكيف في الظروف الإستثنائية، ثم جاءت الخلافات التي استحكمت بين رئيس الجمهورية ورئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون والحملات التي شنّها جنرال الرابية على رئيسي الجمهورية والحكومة لتعطي المعارضة فرصة إضافية لتأليب الرأي العام على الحكومة، وتصوير قوى الثامن من آذار التي جاءت بها، بأنها فشلت في تسيير دفة الدولة بعدما استولت على الحكم بعد انقلاب موصوف، وراحت المعارضة تندّد بالحكومة وتطالب بتغييرها، فيما لم يفلح رئيسها الذي علّق اجتماعات مجلس الوزراء أكثر من شهر ونصف الشهر بسبب ما أسماه التعطيل المتعمّد من قبل وزراء تكتل التغيير والاصلاح لأعمال الحكومة. ونجحت المعارضة في تأليب الرأي العام على هذه الحكومة بسبب غيابها التام عن المعالجات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، مما أدى الى تفاقم الوضع المعيشي وارتفاع معدلات البطالة بشكل غير مسبوق وتراجع النمو العام الى حدوده الدنيا غير المسبوقة حتى في أصعب الظروف التي مر بها لبنان.
وفي حين أشارت مصادر وزارية الى أن خريطة الطريق التي اتفق عليها بين أركان الحكم ومكونات حكومة اللون الواحد، ليست بجديدة، فهي مطروحة على بساط البحث بين هذه المكونات منذ مدة من دون أن تلقى أصداء إيجابية من جانب رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون، غير أن حراجة الوضع المفكّك على المستوى الحكومي والسخونة التي حكمت العلاقات بين الأطراف المنضوية فيها مهددة تماسكها ووجودها، ومعطّلة عملها سكبت آخر نقطة في الكيل الذي طفح عند رئيس الحكومة وحمله على التهديد هذه المرة ليس بتعليق جلسات مجلس الوزراء كما راج بعد الجلسة الأخيرة وإنما بتقديم استقالته قبل بضعة أيام من موعد الدعوة التي وجهها رئيس الجمهورية إلى الأقطاب لاستئناف اجتماعات طاولة الحوار الوطني في ظل أجواء أمنية متوترة في الشمال وفي البقاع وتهدّد بتمدّد الأحداث السورية إلى لبنان، ووضع الفريق المسؤول عن الحكومة واستمرارها أمام مسؤولياته التاريخية في هذه المرحلة التي يلتقي الجميع على وصفها بأنها من أخطر المراحل التي يمر بها البلد.
فضلاً عن أن هذه التسوية التي تم التوصل إليها بين الفريق الواحد تسقط من يد المعارضة ورقة تغيير الحكومة التي وضعتها كأحد الشروط الأساسية للمشاركة في طاولة الحوار الوطني الذي دعا إليها رئيس الجمهورية، خصوصاً وأنها – المعارضة – حاولت في السابق استغلال الخلاف داخل مكونات الحكومة للسير في مشروع إسقاطها في مجلس النواب بعد استعادة نواب ووزراء جبهة النضال الوطني إلى صفوفها، لكنها تراجعت عن هذه الخطوة، بعدما أبلغها جنبلاط بصراحة أنه لن يخرج من الحكومة ويجعلها تسقط في مجلس لنواب، لأنه لا يرى بديلاً عنها في ظل الانقسام الحاصل بين المعارضة والموالاة، والبديل بنظره في حال سقطت أو أُسقطت الحكومة هو الدخول في المجهول.