وضعت "قوى 14 آذار" مطالب ضرورية لإنجاح الحوار الوطني الذي دعا رئيس الجمهورية ميشال سليمان إلى استئنافه في 11 الجاري حتى لا يأتي بمثابة خدمة مجانية تعوّم الأكثرية النيابية وحكومتها المهتزة باهتزاز النظام السوري المشرف على السقوط مع بوادر تغيير ملحوظ في الموقف الروسي الضامن له في المحافل الدولية.
ويدلّ تهافت "حزب الله" على الحوار عن رغبة إيران، المنهمكة بترتيب اوضاع ملفها النووي، في المحافظة على وجهة سلاحه الاقليمية، كما أوضح مؤخراً المستشار العسكري للمرشد الأعلى الجنرال يحي رحيم صفوي عندما أعلن ان "حزب الله" سيوجّه آلاف الصواريخ إلى إسرائيل اذا تعرضت المنشآت النووية الايرانية للهجوم. فيما يبدو الحوار متعارضا مع رغبة النظام السوري الجامحة في تفجير الأوضاع في لبنان. إذ ما إن يتم نزع فتيل حتى يشتعل آخر. ولن تكون نهاية المطاف حوادث تفجير محال للعلويين في طرابلس أو التعديات على القرى الحدودية التي تدفع بأهاليها إلى التسلّح طالما لم ينفذ الجيش انتشاراً يحميهم.
وفي كلام النائب وليد جنبلاط دليل واضح. فهو مع الحوار كحل لعدم نقل الازمة السورية. فالمخاوف من نقلها تؤدي إلى تصاعد القلق الدولي خصوصا أن مساعي التهدئة الداخلية تبقى محدودة الفاعلية في ظل وفرة الأدوات المحلية.
ولا تعني رؤية "قوى 14 آذار" للمقوّمات الأساسية لحوار مثمر، وفي مقدمها مواكبته بحكومة حيادية تؤمّن مظلة سياسية موثوقة، انها ستقاطعه حكماً. فمجرد جلوس الفرقاء حول طاولة واحدة يخفّض من دون شك منسوب التوتر المطلوب بقاؤه متأججاً لاستخدامه غب الطلب من قِبَل النظام السوري. وفي حال المشاركة من المرجح أن يكون مستوى التمثيل أقلّ ممّا كان عليه في الجولات السابقة، عندما كان الغائب الوحيد السيد حسن نصر الله لأسباب أمنية، تؤدي حالياً إلى غياب الرئيس سعد الحريري والدكتور سمير جعجع.
فـ"قوى 14 آذار"، كما غالبية القوى الدولية والاقليمية، تعي بوضوح مدى رغبة نظام الأسد في تصدير أزمته إلى لبنان بدءاً بشماله وشرقه. من هنا كان الترحيب العربي والدولي بدعوة الرئيس سليمان الذي هدفت جولته العربية إلى حصد الدعم المعنوي لمبادرته، إضافة إلى مطالبة الدول الخليجية بسحب تحذير مواطنيها من القدوم إلى لبنان حمايةً لاقتصاده الذي تشكل السياحة الخليجية مورداً بارزاً من موارده.
فالعاهل السعودي كان اول من بادر إلى دعوة الرئيس سليمان لاعادة الروح إلى الحوار الوطني حتى ينأى بلبنان "خصوصاً عن الازمة السورية". كما رحّب وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس بالدعوة إلى الحوار باعتبارها قراراً "حكيماً ومسؤولاً". وهي الدعوة التي رأت فيها الهيئات الاقتصادية المحلية "طريقاً لسحب فتيل الفتنة". ومما يسهّل على "قوى 14 آذار" المشاركة، رغم ان الحوار سيجري في ظلّ استمرار سطوة السلاح وفي ظلّ حكومة غير متوازنة، رغبتها بإنجاح مبادرة الرئيس سليمان ضمن عناوين خطابها الثابت وأبرزها العيش المشترك والسلم الاهلي والعبور إلى الدولة.
فمشاركة "قوى 14 آذار" مرجحة رغم قناعتها بأن الأكثرية، وخصوصاً "حزب الله"، تتمسك بالحوار كما بحكومة الرئيس نجيب ميقاتي كسبا للوقت بانتظار رسوّ الازمة السورية على برٍّ ما. فـ"حزب الله" الذي يشمل جدول الحوار سلاحه "المقدس" رفع السقف عاليا عندما طرح بلسان أمينه العام تحويل طاولة الحوار إلى "مؤتمر تأسيسي" في محاولة للالتفاف على تمسك المعارضة بمطلب وضع كلّ السلاح في كنف الشرعية، ولو أدى ذلك إلى الاطاحة بالتوازنات التاريخية واتفاق الطائف ودستور الجمهورية الثانية سعياً للوصول إلى المثالثة بدل المناصفة.
وأتى الرد غير المباشر من رئيس الجمهورية نفسه عندما شدّد على حوار غير مشروط للاتفاق على استراتيجية دفاعية ضمن نصوص الدستور ووثيقة الوفاق الوطني بعد استكمال تطبيقها، مستبعداً أي تعديلات تطال أسس توازنات النظام.
رغم ذلك يتمسك "حزب الله" بالحوار في هذا التوقيت بالذات. إذ يشارك من موقع أقوى مما سيكون عليه بعد سقوط نظام الأسد الذي بدأت ملامحه تتضح، خصوصاً مع بوادر بحث أميركي- روسي بكيفية بدء عملية الانتقال السياسية من دون أن يكون بقاء الأسد شرطاً مسبقاً.
في هذا الوقت تتهيأ الأكثرية للحوار بالسعي إلى تعويم حكومتها التي فشلت في إنجاز أبسط الأمور الحياتية بسبب خلاف مكوناتها على تقاسم المغانم. وانطلق الكلام عن تفاهم حكومي جديد تمّ التوصل اليه مؤخراً بعد أن لوّح ميقاتي بالتخلي إذا لم تقرّ مشاريع إنمائية لطرابلس في الجلسة التي تُعقد اليوم.
وتكاثرت التسريبات التفاؤلية عن التوصل إلى خطة تؤدي إلى توافق على الانفاق والتعيينات والموازنة وقانون الانتخاب والمشاريع الانمائية، لكن حصيلة التجارب السابقة تظلّلها بالشك. فقد جدد النائب ميشال عون القول ان لا حاجة إلى الحكومة اذا كانت عاجزة عن حفظ الامن وتنفيذ الانماء رغم تلميحه إلى مبادرة يجري العمل عليها، وقوله "اذا لم تأت بنتيجة فهناك مواضيع اخرى نعلنها في حينها".