لا تضيّع الإشارات الروسية المتفرّقة في شأن الوضع السوري الانطباع العام القائل بأنّ تغييراً واضحاً بدأ يتبلور في موقف موسكو، وأنّ الجدران التي بناها أكثر من غيره، وزير الخارجية سيرغي لافروف وتمترس خلفها منذ بداية الثورة حتى الأمس، بدأت تتكسّر حجراً خلف حجر.
"بداية تغيّر" واضحة، وإن كان "آخر" كلام للوزير لافروف يوم أمس تحديداً لا يزال يوحي بالعكس، خصوصاً قوله إنّ استدعاء التدخّل الخارجي لإسقاط نظام بشار الأسد "قد يؤدّي إلى كارثة على مستوى المنطقة".. وفي ذلك ما يشبه صرخة أسير اقترب من إطلاق سراحه لكنه، بحكم العادة، ظلّ حتى اللحظة ما قبل الأخيرة يطالب بحرّيته.. سيرغي لافروف أسير مواقفه الحادّة والنافرة (والغريبة لمَنْ يشاء) إزاء الوضع السوري. وبدء خروجه من أسر تلك المواقف لا يعني، بحكم الاعتياد، خروجاً فورياً عن مدوّنة مصطلحاته الطنّانة، ومنها قصّة "الكارثة" الموعودة!
وكأنّ سوريا اليوم ليست في قلب تلك الكارثة. أو كأنّ المنطقة المحيطة بها لا تنام وتصحو على وقع تهيّب لحظة تشظّي تلك الكارثة في كل اتجاه.. ولكثيرين اليوم، أن يشتغلوا ويتمعنوا في حسابات البيع والشراء والربح والخسارة المتّصلة بالتجارة الروسية بالوضع السوري، لكن يتفق مَنْ هم أكثر من هؤلاء الكثيرين، على مسألة تُقارب البديهية مفادها أنّه لولا الموقف الروسي لما وقعت سوريا في الكارثة، ولما نام الخلق وأفاقوا في الجوار على همّ وصولها إليهم، ولما استشرست سلطة الأسد في تأكيد ربط مصيرها بمصير الكيان السوري بكل مكوّناته ومقوّماته البشرية والمادية، ولما راحت تمعن في البنيان المدني تدميراً، وفي المدنيين قتلاً وترويعاً.
.. المهم الآن، إنّ "الحقائق" المتّصلة بالمصالح الاستراتيجية والسياسات العليا الخاصة بالكرملين وسكّانه لم تكن أقوى من "الحقائق" المتّصلة بالشعب السوري وثورته التامة على سلطة الأسد. صراع الحقائق رديف لصراع الإرادات، والدرس ليس جديداً، بل هو مألوف في كتب وسِيَر الثورات في مجملها، ولم تكن موسكو في حاجة إلى دخول المدرسة من جديد لتعلّمه وحفظه.. كأنّ أهلها اليوم مقطوعون عن أسلافهم، وغربتهم عن ماضي هؤلاء الأسلاف أنستهم تاريخ "الثورة البولشفية" ودروسها وعِبَرها! وفي أوّلها وقمّتها، أنّ الناس باقية والأنظمة متغيّرة وزائلة، وليس العكس!
على ضوء إشارات بدء تغيّر الموقف الروسي تتحرك مواقف الأوروبيين والأميركيين والأتراك باتجاه أكثر جذرية لمواجهة المذبحة المفتوحة في سوريا ولوضع حد لغلوّها واحتمالات انتشارها وتوسعها، وكل ذلك، في بدايته ونهايته يستدعي الانطلاق من نقطة واحدة لا ثاني لها: سلطة الأسد انتهت. والمطلوب "تأكيد" ذلك، ثم استكمال الإعداد للمرحلة التالية، والتي تلحظ، من دون شك، حفظ "مصالح" روسيا العظمى في سوريا المنكوبة والجريحة!.