كتب جورج شاهين في صحيفة "الجمهورية":
قرّرت سوريا الثلثاء طرد السفير التركي وكامل طاقم سفارته في دمشق، إضافة إلى مجموعة من السفراء والديبلوماسيين الغربيين الذين اعتبرتهم من بين «غير المرغوب فيهم» على أراضيها، وشمل القرار أميركا، بريطانيا، فرنسا، سويسرا وبلجيكا، في خطوة أرادتها دمشق رداً بالمثل على طرد ديبلوماسييها من عواصمها. فما الذي تغيّر؟
بهذه العبارات المختصرة عمّمت دمشق قرار وزارة خارجيتها عبر وكالة "سانا" للأنباء الرسمية، ومنها على شاشاتها المحلية ووسائل الإعلام الإقليمية والدولية، رداً بالمثل على كلّ الخطوات التي اتُّخذت بحق سفرائها في معظم دول العالم وتحديداً في الأميركيتين وأوروبا وتركيا في خطوة عزّزت الحصار الدولي على النظام السوري، والذي شكّل خطوة أكملت إقفال الحلقة التي بدأت بنصف الحصار العربي الذي ضربته العواصم الخليجية، وبعض دول المغرب العربي عليها نهاية آذار الماضي.
السفراء غادروا قبل طردهم
واللافت أنّ القرار السوري مرّ من دون أيّ ضجيج إعلامي أو تعليق ديبلوماسي غربي، وكأنّ شيئاً لم يكن. حتى إنّ بيان الخارجية السورية لم يحدّد أيّ مهلة لمغادرة السفراء وكبار الديبلوماسيين الغربيين والأجانب، كما فعَل العالم بالنسبة إلى السفراء السوريين الذين كانوا في عواصمها، ومردّ ذلك إلى أمر بسيط لم يتنبّه إليه بعضهم وهو، أنّه، وباستثناء أحد الديبلوماسيين الأتراك، لم يكن أيّ من السفراء والديبلوماسيين المطرودين يداوم في سفارة بلاده في سوريا، بعدما هجروها قبل اتّخاذ القرار. ولئلّا يتكرّر مشهد طرد السفير الهولندي الذي قالت الخارجية السورية إنّه "استُدعي لإبلاغه قرار الطرد" خلال 72 ساعة، ردّت وزارة خارجية بلاده بأنّ سفيرها موجود في منزله قبل يومين من صدور هذا القرار. على هذه الحقائق، توقّف أحد الديبلوماسيين في بيروت، وهو من إحدى الدول المعنية بالملف، عند الإجراء السوري، فلم يفهم التريّث الذي عبّرت عنه العاصمة السورية لمدة أسبوع لتقرّر خطوتها المقابلة. ذلك إنّه، وبالمنطق الديبلوماسي وعند الرد بالمثل، يجب أن تتّخذ الإجراءات في الساعات التي تلي قرارات الدول التي بادرت إلى الخطوة أوّلاً.
لماذا التريث السوري؟
لكنّ الديبلوماسي المحنّك لم ينتظر جواباً من أحد محدّثيه، وأضاف: لا اعتقد بأنّ دمشق تريّثت لتخفّف وطأة القرار الديبلوماسي على شعبها فهناك جزء منه بات في مكان آخر من اهتماماتها، ولا على قيادتها التي شطبت أوروبا من خريطتها وقرّرت استخدام كلّ العملات الدولية ما عدا الدولار الأميركي واليورو، والتحوّل إلى الين الياباني والروبل الروسي. ولا اعتقد أنّها فوجئت بالقرار وهي التي لم تكن تنتظره، لكنّها وبالتأكيد لم تكن تحسب أنّ المجزرة التي ارتكبت في الحولة، قد تستدعي مثل هذا الإجراء الديبلوماسي. ففضّلت أن تضعه في إطار التصعيد الدولي من "حكومات ودول معادية" للنظام لا اكثر ولا أقل. ولفت الديبلوماسي إلى أنّه "لطالما تميّزت الديبلوماسية السورية بالبرودة وكتمان ردّات الفعل الغاضبة، لكنّ ذلك كان جائزاً عندما تكون سوريا، كما كلّ أنظمة الدول والحكومات التي تعيش أزمات من هذا النوع، في وضع مستقر وطبيعي تستمدّ قوتها الديبلوماسية من صلابة نسيج شعبها ومتانته، ووحدتها الداخلية وقدرتها على تجاوز الأزمات المشابهة". واستطرد: "لكنّ الوضع القائم في سوريا اليوم لا يوحي بوجود مثل هذه المقومات بدليل أنّ أجواء الترحيب التي لقيتها الخطوات الديبلوماسية تجاوز أيّ رد فعل سلبي، لا بل إنّ هناك دولاً أخرى تستعدّ لقرارات مماثلة على رغم صغر أدوارها. وهو ما يوحي بأنّ سياسة الإطباق الديبلوماسي الكامل على النظام قد أحكمت بشدة، وأنّ المراحل المقبلة ستكون مناسبة لتعزيز كلّ أشكال الحصار الأخرى سواء على المستويات التجارية أم الاقتصادية، ولا سيّما تلك التي تتّصل بحركات النقل البرية والبحرية والجوية وهي من المراحل اللاحقة للديبلوماسي منها، كما قالت التجارب الدولية التي سبق أن شهدها العالم في دول أخرى عاشت ظروفا مماثلة.
الدعم المبتور إلى متى؟
وقبل أن يقفل الدبلوماسي ردّات فعله وقراءته للموقف السوري استنجد بسلسلة من التقارير التي بلغته وتتحدّث عن صعوبات اقتصادية ومالية باتت تهدّد مفاصل أساسية من النظام، وأنّ "الدعم المبتور" الذي تلقاه دمشق مادياً من إيران، وديبلوماسياً وسياسياً من روسيا والصين بات على محك التجرية وفي مرحلة الامتحان الصعب.
فالأيام المقبلة ستشهد مروحة من الاتصالات تجريها دول الطوق الكبرى على سوريا باتّجاه الصين وروسيا وبمشاركة إيرانية وتركية، وأولاها المبادرة الروسية التي أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كاشفاً أنّها ستحمل بوادر تبدّلات في الموقف الروسي ولو بشكل محدود، والى فترة لا يبدو أنّها طويلة ما لم يلتزم الأسد النقاط الستّ لورقة انان.
ورأى الديبلوماسي أنّ مجرد الولوج إلى بنود ورقة أنان سيسمح للثورة السورية بالابتعاد عن لغة المدفع واللجوء إلى التحرّك الشعبي المسالم، وهذا ما تخشاه العاصمة السورية التي لم تكن لتربح أيّا من جولات الحرب لو لم تلجأ المعارضة إلى السلاح وعمليات التفجير التي استهدفت المقار الأمنية التي اتّهمت بارتكابها في أماكن تجارية ومدنية بامتياز في ساعات الذروة، والتي ولّدت انطباعات بإمكان سيطرة القاعدة والمتطرفين على الأرض.
بانتظار ساحة تحرير ما!
وشدّد الديبلوماسي على أنّ ما يستحق أن يخشى منه النظام السوري، في ظلّ الحصار القائم، هو أن تتكوّن "ساحة للتحرير" في وسط دمشق يتدفّق إليها السوريون يوميّاً، فتقفل على من فيها وعلى محيطها. عندها قد تكون التجربتان التونسية-المصرية قد تقمّصتا في دمشق وتبتعد سوريا عن التجربتين الليبية-التونسية فيعيد التاريخ نفسه بالسرعة القصوى.