من دون الاستغراق في المواقف الداخلية وتفسيراتها المعقدة، يتجه لبنان الى محاولة متقدمة لخفض التوتر مرعية باكثر من قرار دولي وارادات اقليمية على خلفية الخشية التي اثارتها بؤرة طرابلس من اشتعاله. وهي محاولة لانها تندرج في اطار سباق سيلازم لبنان طويلا ويصعب التكهن لمن ستكون الغلبة فيه، لاحتواء محاولات تفجيره او لنجاحها، ما دامت الازمة السورية مفتوحة على مزيد من الاهوال الدامية والتشابكات الخارجية. ولكن ما يعنينا في المشهد الداخلي الطالع يبرز ما يحلو للبنانيين ان يصدقوه من ان القوى السياسية الوازنة جميعا تملكتها رهبة حقيقية امام بوادر الانزلاق الجدي والشديد الخطورة نحو التفجير في الاسابيع الاخيرة، وان هذه الرهبة تثبت ان لا قرار داخليا لدى اي منها في خدمة " مطلب " الحريق ايا يكن مصدره.
فلولا بؤرة طرابلس المنذرة بنقل الحريق السوري الى الشمال وكل لبنان لما كانت الاكثرية وعمودها الفقري قوى 8 آذار استشعرت خطر انهيار اكثريتها وحكومتها انهيارا مبكرا مع كل ما يرتبه ذلك على قواها ذات الارتباط المعروف والوثيق بالنظام السوري. واذا كان من مغزى اساسي للتعويم الجاري الآن للوضع الحكومي والسياسي لهذه الاكثرية فهو ان اطرافها بمعظمهم يستدركون خطر انهيار يصيبهم قبل "المحتوم" المتمهل والبطيء في سوريا.
اما في المقلب المواجه، فان بؤرة طرابلس نفسها وامتداداتها المحتملة دفعت وستدفع قوى 14 آذار الى المشاركة الجزئية او الكلية في حوار بعبدا، لان هذه القوى ملزمة منطق الرد على تصدير النظام السوري لأزمته الى لبنان بالاحتواء السياسي في حدوده الدنيا ومن ضمنها حوار ولو غير مقنع، وفتح جسور ولو على قاعدة تظهير ارادة رفض الفتنة. وهو سلوك يتقاطع مع ارادة دولية واضحة امعن عبرها المجتمع الدولي في اشعال المخاوف واطلاق التحذيرات العلنية المقصودة من خطر انتقال الشرارة السورية الى لبنان بما لا يخدم الا النظام السوري وحده.
بذلك، قد يستوي السيناريو الاقرب الى الترجمة الواقعية في القابل من الاسابيع وربما الاشهر حتى ايلول على الاقل، على قاعدة ضرورات التنازلات الضمنية، او لنقل ضرورات خفض السقوف ظرفيا بما يعاكس مطالع سنة انتخابية تستلزم رفع هذه السقوف لو كان الوضع الداخلي في ظرف عادي.
ولكن معادلة التنازالات لن تنطبق بعد الآن، ولا بعد حوار بعبدا، على فريقي النزاع بالتساوي او بالتوازن التقليدي. فالحكومة على افتراض نجاح اطرافها في التجربة التعويمية الجديدة ستكون امام الامتحان الاخير هذه المرة. وامتحانها الحاسم لا يتصل بكل " حشوة " تفاهمها الطالع، بل اولا واخيرا بالتحدي اليومي لاختراقات الازمة السورية المتنقلة على الحدود وداخل الدار.