لا يصدِّق الحوار الذي تعوّد اللبنانيّون على رؤيته على شكل متحاورين منذ العام 2005، تارة في مجلس النوّاب وتارة أخرى في القصر الجمهوري، أنّه فعلاً حوار بالمعنى المتعارف عليه للكلمة.
ولا يصدّق المتحاورون بجلوسهم على طاولة المناورة المكرّرة أنّهم فعلاً يقومون بحوار يأملون منه التوصل إلى نتائج، تعبُر بالأزمة إلى أفق مفتوح على حسم الخلافات الكبرى التي أدّت إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري، واستمرّت على شكل استعصاء جعل طرفاً كـ"حزب الله" ينقضّ على النتائج الهزيلة التي تحقّقت على طاولة العام 2006، تماماً كما جعلته يتّخذ هذه الطاولة مجرّد تكتيك يستعمله كلّما شعر أنّ هناك حاجة لالتقاط صورة تذكارية، في زمن انسداد خيارات الحسم الموهومة.
وعلى رغم أنّ هذا الحوار كان على الدوام صورة أمينة عن أزمة خيارات 14 آذار، كما عن قدرة "حزب الله" على تطويق ثورة الأرز كلّما شعر أنّه مطوّق بعوامل تملي اللجوء إلى المناورة، فإنّ الجولة المقبلة لا تعطي أيّ انطباع بأنّ "حزب الله" سيستطيع أن يخرج من أزمة قرب انهيار حليفه الإقليمي، ولا 14 آذار ستفقد الخيارات الكبرى التي اتّسع مداها بعد الثورة السورية، إلى درجة أنّ من أقصوها مرّتين، في السابع من أيّار وفي موقعة القمصان السود، بدأوا يعيدون حساباتهم، إلى درجة أنّهم تراجعوا عن كلّ ما أرادوا تحقيقه بعد إسقاطهم حكومة الحريري، فانتصرت المحكمة على أيديهم، واضطرّوا إلى دفن خرافة الشهود الزور، وتراجعوا عن نيّة اجتثاث قادة القوى الأمنية.
وها هم اليوم عبر الرئيس نبيه برّي يطلبون الحوار، بعدما أحدثوا اختلالاً أمنيّاً أرادوه عاملاً ضاغطاً على رئيس الجمهورية والنائب وليد جنيلاط وقوى 14 آذار، ليحاوروهم تحت طائلة تحميلهم المسؤولية عن التصعيد المبرمج الذي حصل في الشمال.
هذا الحوار الذي لم يعد يصدّقه المتحمّسون له والمعارضون، ستشارك فيه بعض قوى 14 آذار التي كانت رفعت سقف حركتها إلى المطالبة باستقالة الحكومة لتفاجَأ فيما بعد، أنّ إجماعاً عربيّاً ودوليّاً حثّها على عدم المقاطعة، فاضطرّت للقبول وتجاوز شرط استقالة الحكومة، ولكنّها في الوقت نفسه ستذهب إلى بعبدا على وقع مقاطعة أحد أقوى مكوّناتها، أي "القوات اللبنانية،" وعلى وقع معارضة داخلية متمثلة بمعظم أعضاء الأمانة العامة وأبرزهم فارس سعيد، سمير فرنجية والياس عطالله، كما أنّها ستذهب على إيقاع مشاركة تيار "المستقبل" من دون الرمز الذي هجّره إلى الخارج متحاورون يجلسون إلى الطاولة، وكذلك ستذهب على وقع ازدراء "الكتائب" لنتائج هذا الحوار إلى درجة المجاهرة بأن لا نتائج متوقّعة منه، بسبب عدم امتلاك "حزب الله" قرار التفاوض على سلاحه، وعدم امتلاك الرئيس نجيب ميقاتي قرار استقالة الحكومة.
ولكن هل كلّ ذلك سيعني أنّ 14 آذار لن تُصاب في جمهورها الذي يراقب ضعف الأداء، وعدم القدرة على الوقوف بوجه إملاءات الخارج، وعدم وجود توجّه واحد في القضايا الكبرى؟
بالطبع سيكون للحوار أثر سيِّئ على هذا الجمهور الذي خُذل مرّات ومرّات، ولكنّ 14 آذار ستكون بعد هذا الحوار قادرة على التأكيد لهذا الجمهور، أنّ عهد الإحباط جرّاء أخطاء "السين – سين" قد ولّى، وليست مقاطعة "القوات" ومعارضة معظم مكوّنات 14 آذار وامتناع الحلفاء عن المشاركة (الياس المر)، السبب الوحيد في عدم خروج 14 آذار بأضرار بنيوية، بل إنّ ما سيجري بعد هذا الحوار سيكون جواباً واضحاً ينبئ بأنّ الحوار الفاقد للمصداقية لم يكن أكثر من تواطؤ داخلي مغطّى دوليّاً وعربيّاً، لا يطمح إلى أبعد من منع النظام السوري من نقل أزمته إلى لبنان، ولو إلى حين، في انتظار أن يفتتح مشهد سوريا في مرحلة ما بعد الأسد، حواراً قد تكون له الفرص الموضوعية ليؤتي بالنتائج.