كتب طوني عيسى في "الجمهورية":
ليس واضحاً من هو المتحمّس أكثر لإجراء الانتخابات النيابية في موعدها: 14 آذار أم 8 آذار؟ لكنّ المؤكّد أنّ حلفاء دمشق هم وحدهم – حاليّاً – يمتلكون قرار الـ"نعم" أو الـ"لا".
في موضوع الانتخابات، أعلنت "14 آذار" نِصْفَ موقفها. رفضت إجراءَها "تحت وصاية السلاح"، وطالبت بحكومة حيادية. لكنّها لم توضح: هل تفضّل التأجيل إلى أن تُحَلَّ معضلة السلاح، أم تختار الانتخابات، ولو تعذّر الحلّ، احتراماً للمواعيد الدستورية؟
ثمّة أصوات في "14 آذار" تقول: ألَيْس تأجيل الانتخابات لأشهر قليلة، ريثما تتوافر الحرّية والديموقراطية، أفضل من إجرائها تحت سيطرة السلطة القائمة وأخذ البلد في اتجاهات خطرة؟ كما أنّ المجلس النيابي الحالي مريح لفريق "14 آذار" عموماً، على رغم الانقلابات الاضطرارية والظرفية للبعض، فلماذا الاستعجال لتبديله بمجلس يسيطر عليه فريق "8 آذار"؟
وفي المقابل، هناك مَن يرفض التأجيل ويقول: أوّلاً، من حيث المبدأ، لا يمكن "14 آذار" أن تتجاهل الدستور واستحقاقاته، فيما هي ترفع لواء احترام الدستور والقوانين. وثانياً، ماذا لو طال الانتظار لحلّ معضلة السلاح، ولإنهاء الملف في سوريا، ولتبديل الحكومة الميقاتية، وأَحكام المحكمة الدولية… فمَن سيتحمّل المسؤولية عن العواقب الناتجة عن تعطيل الاستحقاقات؟ وثالثاً، مَن قال إنّ فريق "8 آذار" سيستطيع تسيير الانتخابات الآتية بما يؤدّي إلى نتائج تختلف عن تلك التي أسفرت عنها انتخابات 2009؟
في أيّ حال، وسواء أكان خيار "14 آذار" التزام موعد الانتخابات في ربيع العام المقبل أم لا، فالقرار في هذا الشأن ليس لها، بل للسلطة القائمة، ولفريق "8 آذار" تحديداً. وهذا الفريق يدرس جدّياً ما إذا كانت هناك "جدوى" من الانتخابات. فإذا كانت نتائجها ستكرّس استمراره في السيطرة على الحكم، سيجهد لإجرائها أيّاً كانت الظروف. والعكس صحيح. وهذا الفريق لن يسمح بفقدانه السلطة في عملية انتخابية "هَشَّة وسخيفة"، ويمكنه تطييرها إلى موعد غير محدّد، وهو الذي سبق له استخدام السلاح أوالتهديد به لتنفيذ الانقلاب وتحقيق السيطرة.
"كلمة سرّ" في اللحظة الأخيرة
هناك تفكير جدّي لدى فريق "8 آذار"، ولا سيّما "حزب الله"، في تطيير الانتخابات بالوسائل المتاحة له، وتحت ذرائع يصعب إنكارُها. وقد يخلق "الحزب" ظروفاً تدفع فريق "14 آذار" نفسه إلى المطالبة بالتأجيل، على غرار ما يجري اليوم في موضوع الحوار. فالراغبون في الحوار الفعلي، أي فريق "14 آذار"، يبدون اليوم وكأنّهم يرفضونه. فيما الرافضون الحقيقيون للحوار، أي فريق "8 آذار"، يَظهرون وكأنّهم المتحمّسون للحوار. وهكذا يمكن أن يبدو تأجيل الانتخابات – إذا تقرّر – وكأنّه قد تمّ بناء على رغبة المعارضة.
ويقوّم حلفاء دمشق بدراسة الأرباح والخسائر من الانتخابات. ووفقاً للمُطّلعين، تشير الأرقام التي تُظْهرها الاستطلاعات إلى أنّ النتائج لا تختلف كثيراً عن تلك التي تحقّقت في انتخابات 2009، والتي أعطت "14 آذار" غالبية نيابية. وهذا ما يدفع قوى "8 آذار" إلى أن تتأنّى في اختيار قانون للانتخابات يناسبها، وأن تدرس العملية الانتخابية جيّداً، مستفيدةً من إمساكها بمفاصل السلطة. وتتداول أوساط معارضة معلومات عن "كلمة سرّ" يحتفظ بها "حزب الله" لتمرير الانتخابات أو تطييرها، وفقاً لما تقتضيه المصلحة في اللحظات الأخيرة. ولعلّ العامل الأبرز في هذا المجال هو ما سيكون الملفّ السوري قد وصل إليه في ربيع العام المقبل. فعلى مسافة عام كامل، يمكن أن تطرأ تطوّرات جذرية على هذا الملف من شأنها أن تفرض متغيّرات على الساحة اللبنانية.
فدخول سوريا في مزيد من الفوضى والصراعات الدموية المفتوحة له تداعياته في لبنان. وأمّا تغيير النظام على الطريقة اليمنية فلَه تداعيات أخرى. فيما استمرار النظام وإعادة الاعتراف العربي والدولي بدوره له تداعيات مختلفة. ووفقاً لكلّ من هذه الحالات يقرّر "الحزب" وحلفاؤه ما سيفعلونه بالانتخابات، أو بالأحرى ما يمكنهم أن يفعلوه.
وقد يكون المبرِّر لتعطيل الانتخابات مثلاً خلق أجواء من عدم الاستقرار السياسي أو الأمني أو الاجتماعي، كتلك التي تنطلق شراراتها اليوم من الشمال والبقاع. أو ربّما إسقاط حكومة ميقاتي وتعطيل أيّ قدرة على تأليف حكومة جديدة. وهذا يعني أن تتحوّل الحكومة الحاليّة إلى حكومة تصريف أعمال، فلا تكون قادرة
عندئذٍ على إدارة الانتخابات، ويجري تأجيل موعدها إلى حين قيام حكومة جديدة. أو يكون التعطيل في افتعال العراقيل أمام إقرار قانون جديد للانتخابات. ولأنّ أيّ انتخابات نيابية بعد الطائف لم تجرِ من دون اتّفاق مسبق على القانون الذي يرعاها، يصبح متعذّراً إجراء الانتخابات على أساس قانون 1960، أي القانون الذي جرى اعتماده قبل ثلاث سنوات. فيتأجّل إقرار القانون ويتمّ تعطيل الانتخابات إلى حين الاتّفاق.
إنّها معركة "كسر عظم" أو ربّما معركة حياة أو موت لواحدٍ من الطرفين في لبنان. وكلاهما يدرك ذلك. وكلٌّ يراجع الحسابات في دقّةٍ ليضمن الحياة لا الموت. وفيما القرار اليوم هو لـ"8 آذار"، يراهن خصومها على أنّ الحظّ لتبديل المعادلة لن يأتي من بيروت… بل من دمشق.