غسان تويني كان لي في اثناء دراستي الجامعية مثالاً. فهو الذي صنع مجد "النهار" يوم كان لبنان في عزّه. وطبعاً هو الذي صان هذا المجد عندما بدأ الوطن انحداره المستمر حتى الآن، رغم الآثار السلبية التي تركها الانحدار المذكور عليها. وهو الذي كان قدوة للشباب وللطلاب بل حتى للشيوخ وللذين دخلوا مرحلة الرجولة. أولاً بسبب محاولته، من موقع الوزارة وقبل ذلك من موقع النيابة، وإن غير الناجحة لأسباب يُسأل عنها النظام اللبناني لا هو، لتعميم نمط جديد من تعامل "الحكام" مع الشعب الذي صار في أثناء الحرب "شعوباً". ولا تزال. تعاملٌ يقوم على الحوار، وعلى الحرية، وعلى الديموقراطية، وعلى تداول السلطة، وعلى احترام حقوق الانسان وفي مقدمها حريات المعتقد والتعبير… والتغيير بواسطة الانتخابات الحرة، وليس بواسطة اجهزة الاستخبارات محلية كانت أو عربية، اقليمية أو دولي.
عندما عملت بعد تخرجي من الجامعة اللبنانية "مديراً او ادارياً" في دار الصياد كان عقلي مع غسان تويني وكان قلبي مع "النهار" رغم احترامي لتنافسهما. كان طموحي الانتقال الى الصحافة الفعلية صحافة الارض والاخبار التي كانت تجسّدها في حينه "النهار" والتي يسعى القيمون عليها اليوم، مثلما سعى الشهيد جبران تويني، الى ابقائها كذلك رغم الصعوبات والمعوقات المعروفة. تحقق الطموح المذكور وبأوراق اعتماد مهنية لا بوساطة سياسية او حزبية. وكان ذلك عام 1974. في السنوات العشر الأولى، وكانت كلها سنوات حرب، لمست متابعته اليومية لكل العاملين في "جريدته"، ورأيت حرصه على تشجيع اصحاب المبادرات منهم، والصحافي تشكل المبادرة نصف نجاحه، بغض النظر عن الأقدميات. المقياس كان العمل ليلاً ونهاراً، وكان "الانفراد" بالأخبار، وكان الدقّة وكان الابتعاد عن الارتهان وعن الدعاية، وكان الحرص على الشمول في التغطية. وكان وهذا أهم شيء الحريص من خلال "النهار" على أقانيم ثلاثة: حرية وديموقراطية وعلمانية. طبعاً قد تكون الحروب وما يلازمها، دفعت غسان تويني الى واقعية ما او الى حدة ما في مواقف معينة. لكن واقعيته لم تجعله يتخلى عن الأقانيم المذكورة، لا بل اضافت اليها اقنوماً رابعاً هو سيادة لبنان واستقلاله وأما الجدّة فكانت دفاعاً عن الأقانيم مجتمعة. طبعاً برز غسان تويني مفكراً ومثقفاً. وبرز سياسياً. لكن بروزه الأهم وهو مزدوج كان في الصحافة التي كانت في دمه والتي كرّس نفسه لها وللمحافظة على استقلاليتها. وقد تكون علاقته بي بعد السنوات العشر الأولى دليل بارز وثابت على تعلقه باستقلالية الصحافة والصحافي. اذ ساءت تلك العلاقة ثم تردّت. فحكمها أمران: ملكية الجريدة وسياستها عند غسان تويني، والتمسك البلا حدود بالاستقلالية عند صحافي صار له في المهنة 10 سنوات. تغلَّب الديموقراطي المتعلق بالاستقلال والحرية في عقل غسان تويني وقلبه، وازداد تعلق الصحافي الناشئ بجريدته ومُثلِها وصاحِبها. طبعاً لم يلغ ذلك غصة عند غسان تمثلت في مزاوجته بين موقفين، ثقة في الصحافي الناشئ ترجمها استمراراً في فتح منبرها له بل في اعتباره من الجيدين فيها. وعقاب له غير مهني. والعقاب مستمر حتى اليوم رغم العلاقة الطيبة التي عادت ومن زمان بين رئيس ومرؤوس في جريدة يومية. لكنه لم يدفعني يوماً الى التفكير في "التغيير" لأن "نهار" غسان تويني التي جعلها "نهاراً" لنا، أي للعاملين فيها، صارت بيتي وجزءاً من عائلتي واهلي.
غسان تويني اقول لك اليوم، وانت في طريقك الى جنة الخلد، انني افتخر بكوني تلميذاً في مدرستك الاعلامية، ومدرستك الوطنية القائمة على السيادة والاستقلال والحرية والديمقراطية والعلمانية أو اللاطائفية كما صارت تسمى اليوم والانتماء الى العروبة.