كان هذا النوع من المسائل يقلقه ويزعجه كونه دليلا على تراجع الصحافة وكذلك الامر في حال رد صحافي على سؤال ما انه لم يقرأ بعد هذا الخبر او هذه المقالة لكي يناقشها. فعدم قراءة الصحف او متابعة الاخبار أمر لم يكن يتهاون الاستاذ غسان في شأنه ايضاً ايا كانت الذرائع، وكذلك الامر بالنسبة الى اخفاء معلومات او الاضطرار الى عدم نشرها كون الصحافي الذي ينام على خبر ليس صحافياً. لكنه اضطر الى التعديل في موقفه الاخير بعد الاغتيالات التي طاولت "النهار" خصوصاً مع اغتيال سمير قصير وجبران تويني، اذ ادرك بألم ان هناك محاولات قسرية لاسكات الكلمة وخصوصا كلمة "النهار" وما تمثله من حرية وديموقراطية وما تمثله في الدفاع عن سيادة لبنان واستقلاله بحيث لم يعد يضغط لأن تكتب "النهار" كل ما تعرف بعدما تغير الزمن بحيث لم تعد تحترم الكلمة كما في عز ادارته لـ "النهار ". ومع اقراره بأن "النهار" عرفت ضغوطات مؤذية لاسكاتها سابقاً قبل الحرب وخلالها، آلمه في العمق اغتيال سمير ثم جبران ولو كابر وعضّ على الجراح، فبدا أكثر تساهلاً وأبوياً حريصاً على صحافييه من دون التهاون في مهنيتهم وموضوعيتهم، علما ان صدور "النهار" في الاعوام الاخيرة وبعد اغتيال جبران خصوصاً بات في حد ذاته فعل ايمان مقترنا بسيادة لبنان ودفاعاً عنها وليس اقل من ذلك تماماً كما اقترن اسمها دائماً بحرية لبنان وتعدديته وحرية كلمته وديموقراطيته.
لم يزر اجنبي متنور لبنان من دون ان يبدأ زيارته بالتعريج على الاستاذ غسان في مكتبه في "النهار" لينهل منه ليس رؤيته لواقع لبنان السياسي حاضراً بل لاحاطة ماضيه وحاضره ومستقبله وكل محيطه العربي والاقليمي وصولا الى الرؤية الدولية التي كان نادرون في لبنان وعلى رأسهم غسان تويني قادرين على تقديمها. فهو بذلك كان المرجعية الديبلوماسية ووزيراً للخارجية بالاصالة والنيابة عن وزارة وعن سياسة خارجية لم تعد قائمة منذ اعوام طويلة. وهو كان المرجعية السياسية الحكيمة التي تحاول ان تنقل الى اجيال الحرب وما بعدها ثمار تجربة الاستقلال وبناء البلد من اجل اختصار المعاناة من دون طائل. وهو المرجعية الصحافية الذي حدد للصحافة عنواناً اصيلاً ومبادىء وأصول للمهنة هي جريدة "النهار" التي بقيت الأحب الى قلبه من بين كل المهن التي عشقها وقام بها كمفكر وسياسي وديبلوماسي.
العزاء لصحافيين وكتاب وسياسيين ان يكونوا عرفوا غسان تويني والعزاء الاكبر لمن عرفهم هو وقربهم منه وحادثهم وناقشهم وسألهم رأيه في مقالاته صباح كل يوم اثنين وما اذا كانوا يوافقونه الرأي ام لا او اكثر اذا ناقشهم في مقالاتهم او في افكار لكتابتها. قلة من الرجال كغسان تويني من يستمع لرأي الاخرين او يكون مستعداً لمناقشة افكاره واكثر ما كان يسعد اذا دخل عليه احدهم من اجل ان يعترض على فكرة او ان يقترح اخرى.
اختصرت الاعوام الاخيرة عصارة حياة غسان تويني فكان لنا شرف ان نستقي منها الكثير الذي يبقى لنا ذخراً لسنوات كثيرة مقبلة في "النهار" ويبقى حياً من خلالها. ظلمه القدر في حياته بمقدار ما أسبغ عليه نعمة وربما أكثر. لكنه لم يرحمه في الأعوام الأخيرة فحرمه الكلمة والتعبير اللذين كانا صنوان في حياته.
