الأحد الثّالث من زمن العنصرة
قراءة من سفر الأَمثال: (9:1-12)
الحِكمَةُ بَنَت بَيتَها ونَحَتَت أَعمِدَتَها السَّبعَة. ذَبَحَت ذَبائِحَها ومَزَجَت خَمرَها وأَعَدَّت أَيضًا مائِدَتَها. أَرسَلَت جَوارِيَها تُنادي على مُتونِ مشَارِفِ المَدينَة: "مـن كانَ ساذِجًا فليَملْ إِلى هُنا" وتَقولُ لِكُلِّ فاقِدِ الرُّشْد: "هَلُمُّوا كُلوا من خبْزي وٱشرَبوا من الخَمْرِ الَّتي مزَجتُ. ٱترُكوا السَّذاجَةَ فتَحيَوا ٱسلُكوا طَريقَ الفِطنَة". مَن أَدَّبَ السَّاخِرَ لَحِقَه العار ومن وَبَّخَ الشَّرّيرَ أَدرَكَه خِزْيُه. لا تُوَبِّخِ السَّاخِرَ لِئَلا يُبغِضكَ وَبِّخِ الحَكيمَ فيُحِبَّكَ. أَفِدِ الحَكيمَ فيَصيرَ أَحكَم عَلِّمِ البارَّ فيَزْدادَ فائِدةً. أَوَّلُ الحِكمَةِ مَخافَةُ الرَّبّ وعِلمُ القُدُّوسِ الفِطنَة. فإِنَّها بي تَكثر أَيامُكَ وتَزْدادُ لَكَ سِنو الحَياة. إِن كُنتَ حَكيمًا فلِنَفسِكَ وإِن كُنتَ ساخِرًا فعَلَيكَ وَحدَكَ.
الرّسالة: 1 قور 2: 1-10
تبشير بولس في قورنتس
1 وأنا، أيّها الإخوة، لمّا أتيتكم لأبشّركم بسرّ الله، لم آتِ ببراعةِ الكلامِ أو الحكمة،
2 لأنّي قرّرتُ أن لا أعرفَ بينكم شيئًا إلا يسوعَ المسيح، وإيّاهُ مصلوبًا!
3 وقد جئتُ إليكم بضعفٍ وخوفٍ ورعدةٍ شديدة.
4 ولم يكن كلامي وتبشيري بكلماتِ الحكمة والإقناع، بل ببرهانِ الرّوحِ والقدرة،
5 لئلّا يكونَ إيمانكم قائمًا على حكمةِ النّاس، بل على قدرةِ الله.
حكمة الله
6 غيرَ أنّنا ننطقُ بٱلحكمةِ بينَ الكاملين، ولٰكن لا بحكمةِ هٰذا الدّهر، ولا بحكمةِ رؤساءِ هٰذا الدّهرِ الّذينَ مصيرهم إلى الزّوال.
7 بلْ ننطقُ بسرّ حكمةِ الله المحجوبة، الّتي سبقَ الله فحدّدها قبلَ الدّهورِ لمجدنا.
8 وهيَ الحكمةُ الّتي لم يعرفها أحدٌ من رؤساءِ هٰذا الدّهر، لأنّهم لو عرفوها لما صلبوا ربّ المجد.
9 ولٰكن، كما هو مكتوب: "ما لم ترهُ عين، ولم تسمعْ بهِ أذن، ولم يخطرْ على قلبِ بشر، قد أعدّهُ الله للّذينَ يحبّونه".
10 لٰكنّ الله أعلنهُ لنا بروحه، لأنّ الرّوحَ يسبرُ كلّ شيءٍ حتّى أعماقَ الله.
شرح آيات الرّسالة:
1 1 قور 1/17؛ 2 قور 11/6.
لمّا أتيتكم: وصل بولس لأوّل مرّة إلى قورنتس، سنة 50، قادمًا من أثينا، بعد فشله أمام محفل الفلاسفة في الأريوباغس، منهوك القوى جسديًّا ومعنويًّا. لٰكنّ العناية أتاحت له أن يلتقي هناك زوجَين مسيحيّين رومانيّين، هما أكيلا وبرسقلّة، ويجد لديهما مسكنًا وعملا، وقد كانا من الصّناعة نفسها، وكانا مثقّفين فوق المعتاد.
سرّ الله: وفي مخطوطات عديدة قديمة "شهادة الله"
2 غل 6/14.
إلّا يسوع المسيح وإيّاه مصلوبًا: لم يلجأ بولس في تبشيره أهلَ قورنتس إلى براعة الكلام، والفصاحة، والبلاغة، بل جعل مِحوَر تبشيره المسيحَ المصلوب، لا المسيح الممجَّد الدّيّان، كما في رسالته إلى أهل تسالونيكي، ولا المسيحَ رأس الحكمة وبكرَ كلّ خلق، كما في رسالته إلى أهل قولسّي.
3 رسل 18/9؛ 2 قور 10/1.
4 1 تس 1/5.
بكلمات الحكمة والإقناع: قراءات أخرى مختلفة عدَّة في المخطوطات يصعب فهم أكثرها لغويًّا. ٱخترنا قراءةً يرجّحها معظم الشّارحين، وتُعطي معنى واضحًا لا إشكال فيه. "مقنعة" وصف لـ"كلمات" لا لـ"حكمة"، كما في الأصل اليونانيّ.
ببرهان الرّوح والقدرة: إشارة إلى ما رافق تبشير بولس من أعمال الرّوح القدس القادرة (1 قور 14/25؛ 2 قور 12/12؛ 1 تس 1/5).
5 2 قور 12/12؛ رسل 1/8.
القاعدة الأساسيّة في التّبشير الرّسوليّ أن يقبل السّامعون البشرى لا بفعل تأثير منطقيّ من شخصيّة المبشّر أو من كلامه، بل بفعل إيمان بكلام الله وبقدرته الخلاصيّة، فلا شيء يُغني عن عُرْي المصلوب، فيه تتجلّى حكمة الله وقدرته الأزليّة غير المتناهيّة. فمنه ينبع الخلاص لا من قناعة بشريّة.
6-16 مقطع بالغ الأهمّيّة لما يحوي من تعليم حول الفلسفة الدّينيّة عامّة، والمسيحيّة خاصّة، وهي تختلف جوهريًّا عن فلسفة الغنوسيّين وغيرهم من ديانات باطنيّة. الفلسفة المسيحيّة هي الحقيقة الّتي ينبغي أن يطمح إلى معرفتها مسيحيّو قورنتس.
6 اف 4/13؛ فل 3/15؛ 1 قور 15/24-25؛ أف 6/12.
الكاملين: هم المسيحيّون الّذين يلغوا الذّروة في فهم إيمانهم المسيحيّ، وعيشهم له (فل 3/15؛ قول 4/12؛ عب 5/14؛ 1 قور 14/20). عكس "الكاملين" هم "الأطفال في المسيح" (3/1)، و "الصّبيان في الأذهان" (14/20).
رؤساء هٰذا الدّهر: هم أوّلًا رؤساء الشّعب الدّينيّون والمدنيّون (رؤساء الكهنة اليهود، وهيرودس، وبيلاطس)؛ وهم ثانيًا المفكّرون (الفّريسيّون والكتبة والفلاسفة)؛ وهم أيضًا الأرواح الشّرّيرة الّتي تنفّذ الشّرّ في العالم من خلال أناس أشرار، أمثال من ذكرنا، وقد منعوا البشر من فهم سرّ المسيح وصلَبوه (2/8).
7 روم 16/25؛ قول 1/26-27؛ أف 1/9؛ 3/4، 5، 9.
حكمة الله المحجوبة: حرفيًّا "بحكمة من الله في سرّ". و"السّرّ" في نظر بولس، ليس حكمة خفيّة تبقى لغزًا لا يُدرَك! بل هو تصميم حدّده الله منذ الأزل، وحقّقه في الزّمن، في شخص ٱبنه يسوع المسيح لخلاص المؤمنين. ولقد أعلنه الله بالرّوح القدس لقدّيسيه ورُسُلِه (روم 16/25-27).
8 لو 23/34؛ أف 3/10؛ 1 بط 1/12؛ يع 2/1.
ربّ المجد: "المجد"، في العهد القديم (خر 24/16)، صفة لا تُعطى إِلّا لله. يعطيها بولس ليسوع، فيساويه بالله الآب.
9 آش 64/3-4؛ ار 3/16؛ آش 52/15؛ سي 1/10.
نصّ مزيج من آشعيا (64/3؛ 65/17)، وإرميا (3/16)، وهي طريقة مألوفة في الأدب اليهوديّ المعاصر لبولس. الكاملون وحدهم يسَعهُم أن يحدّثوا عن أمور الله غير المنظورة، وغير المسموعة، والخفيّة عن قلوب البشر، لأنّهم سبقوا فذاقوا الحياة والسّعادة الأبديّة.
10-16 الفكرة الرّئيسية في هٰذا المقطع جدلٌ مع بعض مؤمني قورنتس يدّعون أنّهم "كاملون" في معرفتهم لأسرار الله ولمصير الإنسان، وأنّهم "روحانيّون" مستنيرون بروح الله يعتبرون المسيحيّين العاديّين "نفسانيّين". يستعير بولس تعابيرهم ليجادلهم ويقلبها عليهم: الحكمة الحقيقيّة يعطيها الرّوح القدس شخصيًّا (10-11)، ولا يعرفها إلا "الرّوحانيّون"، "الكاملون" الّذين أعطاهم الرّوح القدس أن يروا ويدركوا ويقارنوا الحقائق المسيحيّة الرّوحيّة فيعطونا عنها معرفة عميقة شاملة، وهم الرّسل والمبشّرون والإنجيليّون والأنبياء في الكنيسة الأولى (12-13)، أمّا "النّفسانيّون" وهم المدّعون الحكمة والمعرفة بين المؤمنين، فيبيّن لهم بولس أنّ معرفتهم البشريّة إن ناقضت التّعليم الرّسوليّ، فلن تكون إلا ضعفًا عقليًّا فادحًا (14-16).
10 يو 14/26؛ متّى 13/11.
الإنجيل
يو 14: 21-27
الآب وابن
21 مَن كانت لديه وصاياي ويحفظها، وهو الّذي يُحبُّني. ومَن يُحبُّني يُحبُّهُ أبي، وأنا أحبُّهُ وأُظهِرُ له ذاتي".
22 قال له يهوذا، لا ذاك الإسخريوطيّ: "يا ربّ، ماذا جرى حتّى تُظهِر ذاتكَ لنا، لا للعالم؟".
23 أجاب يسوع وقال لهُ: "مَن يُحبُّني يحفظُ كلمتي، وأبي يُحبُّهُ وإليه نأتي، وعندهُ نجعلُ لنا منزلا.
24 مَن لا يُحبُّني لا يحفظ كلمتي. والكلمة الّتي تسمعونها ليست كلمتي، بل كلمة الآب الّذي أرسَلَني.
الرّوح البَرقليط
25 كلَّمتُكم بهٰذا، وأنا مُقيمٌ عندكم.
26 لٰكنَّ البرقليط، الرّوح القدس، الّذي سيُرسِلُهُ الآب بٱسمي، هو يُعلِّمكم كلّ شيء، ويذكِّركم بكلِّ ما قلتُهُ لكم.
سلام يسوع
27 ألسَّلام أستودعكم، سلامي أعطيكم. لا كما يُعطيه العالم أنا أُعطيكم. لا يضطرب قلبُكم ولا يخَفْ!
شرح آيات الإنجيل:
21 يو 15/10؛ 16/27؛ 17/26؛ سي 4/14.
22 رسل 10/40-41؛ يو 2/19.
يهوذا: هو أخو يعقوب لدى (لو 6/16؛ رسل 1/13)، وتدّى لدى (متّى 10/3؛ مر 3/18).
23 يو 3/11؛ مثل 8/17؛ 2 قور 6/16؛ أف 3/17؛ رؤ 3/20.
وعنده نجعل لنا منزلًا: يُجيب يسوع عن سؤال يهوذا جوابًا غير مباشر: هو والآب يحلاّن في من يحفظ وصاياه، ويتحقّق حلم جميع المؤمنين في العهد القديم (3 مل 8/27؛ حز 7/26-27؛ زك 2/14). سبق الكلام على مجيء الرّوح القدس (16-17)، والكلام هنا على مجيء الآب وابن. لنا، في هٰذه الآية، أبلغ تعبير عن صلة الثّالوث الأقدس بالمؤمن الأمين.
24 يو7/16؛ 14/10.
25-26: هٰذه كلمة ثانية في الرّوح القدس، وكانت الأوّلى في (14/16). يحلّ الرّوح القدس بين التّلاميذ محلّ يسوع: يعلّمهم كلّ شيء، ويذكّرهم بما علّم يسوع، ويفهمهم تدريجيًّا سرّ يسوع الكامل (2/22؛ 12/16)، ومعنى ٱختبارهم الفريد الّذي عاشوه مع يسوع. لم ينسب التّعليم، في العهد الجديد، إلى الرّوح القدس، إلا هنا، وفي (لو 12/12).
2 يو 14/16؛ 15/26؛ 16/7، 13-15.
27 يو 14/1-3؛ 16/33؛ 2 تس 3/16؛ روم 5/1؛ أف 2/14-18؛ فل 4/7.
السّلام: (راجع شرح لو 1/79). السّلام، لدى يوحنّا، نعمة مصدرها يسوع وحضوره (14/27؛ 16/33؛ 20/9، 21، 26).
لا كما يعطيه العالم أنا أعطيكم: حرفيًّا "ولست أعطيكم أنا كما العالم يعطي".
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلاح بكرم الرّبّ.