#dfp #adsense

إلى الدكتور سمير جعجع… بكل محبة وتقدير

حجم الخط

أسمح لنفسي ان اخاطبك واصارحك للمرة الأولى عبر الاعلام وبطريقة مباشرة وما دفعني إلى ذلك موقفك الاخير من موضوع الحوار الوطني المزمع استئنافه في قصر بعبدا بدعوة من الرئيس ميشال سليمان. وكونك كنت السبّاق بين القيادات المعارضة إلى التشكيك والطعن بالحوار وجدواه ومصداقيته وإلى الاعراب عن موقف رافض للمشاركة وللانضمام إلى هذه الطاولة فكان لا بد من لفت نظرك إلى بعض النقاط لإعادة الحسابات وتصحيح الخطأ والتقدير.

عزيزي الدكتور جعجع…

منذ خروجك من معتقلك السياسي الظالم ومن تجربة مريرة نادراً ما يخرج منها أي انسان صلباً متماسكاً كما خرجت أنت، وانت تقوم بدور قيادي ومحوري في حركة 14 آذار مواصلاً مسيرة نضالية بدأتها قبل سنوات وعقود. صقلك السجن ولكن لم يغيّرك. بقيت على مبادئك وقناعاتك وهذا ما يؤيدك من اجله فريق كبير من اللبنانيين، وينتقدك ويعارضك من اجله فريق سياسي آخر.

منذ العام 2005 وأنت يا دكتور جعجع تتعاطى مع اصعب الملفات وأدق المسائل بشكل يرضي ضميرك وقناعاتك السياسية، وكنت رجل المواقف الثابتة بنظر شريحة لبنانية واسعة، واثبت نجاحاً وحضوراً كبيرين ولم تقع في تردد وتقلب وتخبط ولم تساوم على قناعاتك ولم تقع في اخطاء كما يردد مناصروك وحلفاؤك. مواقفك واقوالك مدروسة متزنة تستند إلى المنطق وتخاطب العقول لا الغرائز… ولأن خصومك السياسيين لم يستطيعوا النيل من حاضرك ولم يجدوا ممسكاً لجأوا إلى نبش الماضي والقبور وإلى فتح ملفات الحرب التي طواها اتفاق الطائف ولم يكن احد بمنأى عنها. ولأن اعداء لبنان والسلام والديمقراطية لم يستطيعوا تغييرك واستيعابك واستمالتك قرروا اخيراً الغاءك وشطبك من المعادلة. وشاءت العناية الالهية ان تنقذك وتفشل محاولة آثمة كادت لا سمح الله ان تؤدي إلى كارثة كبيرة على مستوى الوطن.

لأننا، يا حكيم، ننظر اليك بعين كبيرة ونقدّر فيك الصلابة والرصانة والجدية والاتزان، فاننا مفرطون في الحساسية حيال أي هفوة أو سوء تقدير من جانبك ولا نتردد في توجيه الرأي من باب المحبة والتقدير ومن خلفية إيجابية بناءة، و "صديقك من صَدَقك القول لا من صدّقَك".
هذا ما حصل قبل فترة وجيزة عندما اعترضنا على طريقة مخاطبتك للبطريرك مار بشارة بطرس الراعي عبر الاعلام وبأسلوب حاد في التعبير… وهذا ما يحصل اليوم عندما نتحفظ ونعترض على طريقة التعاطي مع الدعوة الرئاسية للحوار الوطني ، لأننا وبكل صراحة وبساطة لسنا مؤيدين في أي حال من الاحوال لمقاطعة الحوار. ولسنا مقتنعين بكل الذرائع والحجج التي تساق لتبرير عدم المشاركة.
عزيزي الدكتور جعجع… ان مقاطعة الحوار هي أولاً مقاطعة لرئيس الجمهورية ولدوره التوافقي الجامع وإضعاف لموقع رئاسة الجمهورية وما تبقى من هيبة وصلاحيات لها، والمقاطعون للحوار يستهدفون رئيس الجمهورية من حيث يدرون أو لا يدرون لأنه هو الداعي إلى هذا الحوار وهم بذلك لا يستهدفون أو يقاطعون فريق 8 آذار أو حزب الله بل يقاطعون صاحب الدعوة رئيس الجمهورية ميشال سليمان تحديداً.

ومن المفترض ان تكون أنت يا أيها الصديق العزيز من أشد المدافعين عن رئاسة الجمهورية ودورها وكل المؤسسات الدستورية في سياق رهانك الواضح على مشروع الدولة. ومكانك الطبيعي هو في أن تكون في خندق وطني واحد مع رئيس الجمهورية وداعماً لدوره ومبادرته، فكيف اذا كانت المبادرة حوارية انقاذية وفي ظروف بالغة الخطورة والتعقيد لا تحتمل التأجيل والانتظار وأخذت تهدد باطاحة كل منظومة الاستقرار، الامني والسياسي والاقتصادي.

اللبنانيون هذه الايام عالقون في "نفق الازمة" ومتعلقون بحبال الهواء. وما يختلف عن السابق ان مصيرهم وقرارهم في يدهم، وانهم قادرون بوحدتهم واتفاقهم على ان يكونوا أقوى من كل التدخلات والمؤامرات الخارجية. وما عليهم إلا الجلوس حول طاولة واحدة والمثابرة على الحوار وعدم مغادرته إلا بعد الوصول إلى اتفاق.

في الواقع، ليس هناك من وسيلة لمواجهة الخطر الداهم إلا الحوار. الحوار حول سلاح حزب الله في إطار الاستراتيجية الدفاعية ونحن نسأل هنا هل من وسيلة اخرى لمعالجة موضوع هذا السلاح غير الحوار وهل من طرف سياسي في لبنان قادر على نزع سلاح حزب الله بالقوة؟ الحوار ايضاً يجب ان يحصل حول الازمة والاحداث السورية لتحديد إطار عملي لسياسة النأي بالنفس التي نفهمها "حياداً ايجابياً" والحوار وحده هو الذي يحقق فك الارتباط بين الوضع اللبناني والازمة السورية وهنا تكمن مصلحة لبنان في الا يكون أي من اطرافه متورطاً ومتدخلاً في الشأن السوري الداخلي وفي الا تكون ساحته منصة انطلاق ضد سورية فكما رفضنا ونرفض دائماً التدخل السوري في الشؤون اللبنانية وما رافقه من تجاوزات طيلة أيام الوصاية فاننا ايضاً نرفض ان يكون هذا الوطن ممراً أو مقراً للإساءة لسورية الدولة… لبنان لا يستطيع ان يؤثر في مجريات الوضع في سورية، ولا يستطيع ايضاً ان يساهم في ابقاء النظام اذا ايده ولا في اسقاطه اذا أيد المعارضة والثورة… ولكن لبنان شديد التأثر بسورية وسريع العطب وذلك بسبب الانقسام السياسي الحاد بين ابنائه وطوائفه واحزابه.

والحوار يجب ان يكون ايضاً حول الوضع الحكومي وضرورة تغيير هذه الحكومة، وهنا والحق يقال بأنك محقٌ في انتقادك لهذه "الحكومة الفاشلة" وهناك اكثرية ساحقة من الناس تشاطرك الرأي في ضرورة ان تفسح الحكومة الحالية المجال لحكومة حيادية انتقالية تتولى إدارة الوضع حتى الانتخابات النيابية وتؤمن مقومات النجاح لها.

ولكن ليس من وسيلة لتغيير الحكومة إلا عن طريق الحوار مع تعذر اسقاط حكومة نجيب ميقاتي في المجلس النيابي طالما تتمتع بثقة الاكثرية، ومع تعذر إسقاطها في الشارع طالما ان الانقسام حاصل بين شارعين ومشروعين.

الصديق العزيز الدكتور سمير جعجع… نتمنى عليك الانضمام إلى طاولة الحوار واكمال ما بدأته خلال جلسات الحوار السابقة ووضع كل التحفظات والمطالب على الطاولة وطرحها بشجاعة وموضوعية كما تعودنا عليك دائماً. كما ان هناك شبه اجماع مسيحي على الحوار فلا يمكنك انت شخصياً أحد الاركان الاساسيين للمسيحيين ان تكون خارجه ومعزولاً عن حالة مسيحية حوارية ومنفتحة للنقاش… وكذلك هناك دعم وتشجيع دولي وعربي للحوار فلا يمكنك ايضاً إلا ان تأخذ ذلك في الاعتبار لأن هذا الكلام لا يفهم منه إلا دعوة الخارج للبنانيين لكي يهتموا بشؤونهم ويرتبوا اوضاعهم لأن لبنان ليس على لائحة الاولويات والاهتمامات… وهناك ايضاً صرخة عارمة تعلو في كل الاوساط اللبنانية وعلى كل المستويات من العمال والفقراء إلى اصحاب العمل ورؤساء الهيئات الاقتصادية وهناك حالة ضاغطة في اتجاه الحوار مع تحديد سقف منخفض للتوقعات والطموحات ، اذ يكفي للحوار ان يصل إلى ارساء هدنة شاملة وانقاذ الموسم السياحي وان يضع ترتيبات الوصول إلى محطة الانتخابات بكل هدوء ودون تعريض الناس للخطر.

نحن بالفعل امام وضع قابل للانهيار والانفجار في أي لحظة ولا يمكن نزع فتيل الانفجار إلا عن طريق الحوار … فاذا لم يحصل حوار حصل تدهور مريع في الاوضاع والطرف الذي قاطع الحوار وتسبب في فرطه وتطييره هو الطرف الذي سيتم تحميله مسؤولية الازمة وكل ما سيتبع ذلك…

وفي النهاية اسمح لي يا حكيم ان أنهي معك بالقول: كادوا ان يحملوك وزر ومسؤولية الحرب اللبنانية وحدك وكل ايامها ولياليها السوداء… فلا تدعهم اليوم يحملونك مسؤولية حرب اصبحت على الابواب اذا رفضنا الحوار… اذهب إلى الحوار ايا تكن الظروف والنتائج في هذه المرحلة العصيبة وقل كل ما تريد وما تؤمن به، قل قناعاتك السياسية وحاور بموضوعية لأنه لا مفر من الحوار، فهو الاساس والباقي تفاصيل…

لقراءة رد رئيس مجلس إدارة "لبنان الحر" أنطوان مراد (إضغط هنا)

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل