كتبت صحيفة "الراي" الكويتية:
… حكومة «مولودة من جديد» بجرعة أكسجين يبقى استمرار «ضخها» رهناً بمسارات اخرى في «ورقة التفاهم» التي أبرمت بين مكوناتها الرئيسية وتبرّمت منها اطراف وزارية اخرى (النائب وليد جنبلاط)، وحوار وطني «مولود ميتاً» أملت إكمال نصابه تمنيات عربية ودولية خشية انفلات الوضع اللبناني و«تماهيه» مع الأزمة السورية ومسارها المتفجّر والذي تتطاير شظاياه في اكثر من اتجاه.
هكذا بدا المشهد اللبناني عشية «ويك اند» ما بعد «تجديد دم» مجلس الوزراء عبر توفير الانفاق الحكومي للسنة الحالية من طريق سلفة ضخمة بقيمة نحو 7 مليارات دولار، وما قبل حوار 11 حزيران الذي تعود معه هيئة الحوار الوطني «الى الحياة» بعد تعليق اجتماعاتها منذ نحو عام ونصف العام بقرار من فريق 8 آذار الذي انسحب من الطاولة في طريقه الى الانقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري في كانون الثاني 2011.
واذا كان «تقويم» المسار الحكومي الذي اعتبرت اوساط 14 آذار انه ذات أبعاد «انتخابية» (لا سيما مع اقرار تمويل مشاريع في طرابلس بقيمة 100 مليون دولار) لا يزال أمامه فصل جديد من «اختبار النيات» في ملفيْ التعيينات ومشروع قانون الانتخاب، فان «تعويم» طاولة الحوار وفق جدول الاعمال الذي وضعه رئيس الجمهورية ميشال سليمان (سلاح المقاومة وكيفية الاستفادة منه إيجابا للدفاع عن لبنان، والسلاح الفلسطيني خارج المخيمات وكيفية إنهائه والسلاح الفلسطيني داخل المخيمات وكيفية معالجته، ونزع السلاح المنتشر داخل المدن وخارجها) يبدو اشبه بعملية «تقطيع للوقت» ومحاولة إمرار المحطات المفصلية في الازمة السورية بأقل الأضرار على لبنان في ظل «تسليم» أقطاب الحوار من قوى 8 و 14 آذار بان المرحلة الراهنة ليست لحسم الخيارات لا سيما من «حزب الله» في ما خص سلاحه الذي رسم له السيد حسن نصر الله اطاراً اوسع عنوانه المؤتمر التأسيسي الذي اشتمّت منه 14 آذار مسعى لنسف اتفاق الطائف وتجاوز التوافقات الميثاقية المعبّر عنها في الدستور لمصلحة مرتكزات جديدة يكون فيها السلاح «مسيَّلاً» بصلاحيات وحصة اكبر للطائفة الشيعية في «النظام الجديد».
وبدا واضحاً ان 14 آذار التي عادت للمشاركة في الحوار باستثناء «القوات اللبنانية»، تحاول التكيف مع المناخات العربية والدولية المؤيدة لهذا الحوار والتي تشي بان سقف مطالبتها باستقالة الحكومة قبل العودة الى الطاولة لا افق له خارجياً، ما يجعل اي ادارة ظهر من جانبها للمبادرة الحوارية بمثابة «اتهام ذاتي» لها بالمسؤولية عن اي توترات قد ينزلق اليها الوضع اللبناني.
ورغم ظهور قوى المعارضة «متراجِعة» عن السقف الذي كانت رسمته للمشاركة في الحوار، فهي تحاول، تحت سقف هذه المشاركة، وضع قواعد حوارية تتيح لها الانسحاب من الطاولة متى شعرت بان ما يجري لا يصب في خانة تطلعاتها. تتجه الانظار في هذا السياق الى المذكرة التي يسلمها وفد من المعارضة برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة اليوم الى الرئيس سليمان متضمنة «مبادرة انقاذية» تنطلق من الثوابت وتدعو الى تجاوز المواجهات والحرب الاهلية، واعتبار أن الحكومة الحالية أصبحت جزءاً من المشكلة ويجب رحيلها، مع العمل على تشكيل حكومة جديدة تواكب الحوار وتشرف على الانتخابات النيابية المقبلة، وتمحور موضوع الحوار على الطرق الأنجع لانهاء كل السلاح الخارج عن إمرة الدولة.
وفي حين لفت تلميح النائب بطرس حرب الى ان «بقاء 14 آذار في هيئة الحوار يتوقف على ما يمكن ان يطرحه فريق 8 آذار»، علل مسؤول بارز في «القوات اللبنانية» قرار عدم مشاركة «القوات» باعتباره معاودة الحوار «تلميعا لحكومة متواطئة مع النظام السوري ضد لبنان»، مشدداً في الوقت نفسه على «الارتباط الوثيق بالحلفاء» في قوى 14 آذار وكذلك على «الود والاحترام لرئيس الجمهورية الذي نقدر مواقفه الوطنية وحياديته».
في موازة ذلك، برز امس دعم أوروبي وسعودي متجدد للحوار عبّر عنه موقفان:
• الاول لسفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان علي عواض عسيري الذي اعلن بعد زيارته الرئيس ميشال سليمان ان الاخير لقي خلال زيارته السعودية «كل ثناء وتشجيع على جهوده الوطنية المخلصة التي يقوم بها في سبيل جمع الافرقاء السياسيين كافة لما فيه المصلحة العليا للبنان وشعبه».
وشدد العسيري على «حرص الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز والمملكة على علاقاتها الاخوية والتاريخية مع لبنان وشعبه بكل اطيافه وطوائفه، وعلى أمن واستقرار هذا البلد العزيز في ظل سيادته ووحدته الوطنية، وهي أمور اكد عليها الملك في الرسالة الاخيرة التي بعثها لسليمان وثمن فيها حكمته في رعاية الحوار الوطني اللبناني».
• والثاني لوزير خارجية المانيا غيدو فيستر فيليه الذي اعرب في ختام زيارته لبيروت عن قلق بلاده من أن يكون للنزاع في سورية تداعيات على لبنان، وأن يؤدي الى اخلال في الاستقرار فيه، مشيرا الى ان سبب زيارته الى بيروت «دعم الوحدة والاستقرار».
واذ دعا جميع الاطراف في لبنان «للقيام بكل ما في وسعهم للحفاظ على الوحدة وألا يكونوا جزءا من هذا الصراع في سورية وحماية وطنهم من هذه الاعمال الوحشية والقمعية»، اعتبر «ان الحوار الوطني في لبنان يشكل فرصة لتعزيز الاجماع والوحدة الوطنية»، داعيا جميع الأطراف في لبنان الى «بذل أقصى ما يمكن للحفاظ على الاستقرار والانخراط في الحوار الوطني».