#dfp #adsense

عاش أجمل ربيعين ورحل

حجم الخط

وصمت "الديك" في الصباح، هذه المرة ربما أتعبه "الصياح"، ربما استراح، ولكن لم ييأس، رجل الأمل، والمواجهة والثورات والمقارعة والفكر والثقافة والفلسفة والرائد والطليعي والحداثي، عصر كامل يختزنه غسان تويني، صحافياً، ومناضلاً، وكاتباً ومحللاً. لم يكن يتسع شيء لحياته حتى الحياة. لم يكن من حدود لفضائه الشاسع، ولأفكاره ولتعدده ومعرفته. في قلب السياسة اللبنانية وخارج تفاصيلها العابرة. في لب القضايا الكبرى، العربية والعالمية وعلى مسافة من ارتهاناتها المباشرة. صانع الحدث وصائغ "مفاهيمه"، صانع ثوراته العديدة، الدستورية، السياسة، الفكرية، الصحافية، الثقافية. انه من صُناع الأوطان كما يجب ان تكون الأوطان. ومن صُناع المستقبل كما يرى ان يكون المستقبل. والباحث عن الماضي كمن يقرأ في ضرورات الحاضر. المنّقب عن التاريخ كمن يبحث عن المعنى. وعن الجذور الحية أليفة الشمس، رفيقة "النهار". لم يكن له أن يرتاح. أو يريح، فالحرية، كما عاشها، لا ترتاح ولا تُريح. الحرية وعرة، مشعبة، هشة، قوية، عابرة، عارضة. جوهرية، علينا (كما قال) معالجتها كل يوم، لتكون في التاريخ وليس في اللاتاريخ. والديموقراطية، جسدها، مثلها، عليك معايشتها وملامستها واكتشافها وفقه اسرارها (كما أسرار المهنة) وتحديد مواطنها، وتكثيف منازعها، فلا تهرم.. أو تهلك بين أصابعك.

وتسقط في الشارع، وعلى أيدي اعدائها! عاشق الديموقراطية. هكذا عرفناه، وسليلها ورفيقها ولسانها وورقها وقلمها وناسها. الحرية هي الواحد، وهي الكثير، وهي التي يجب أن تراها وتسمعها على قدر ما تقرأها. وتكتبها. وعليك ، كما نعرف عنه، ان تحرسها كما تحرس الكنوز من اللصوص، والقتلة والطغاة؛ فهي ليست سبية ولا غنيمة الفتوح ولا رهينة القوة ولا بغّية في أسّرة أهل الاستبداد ولا عميمة الجهل. ولا خليلة من يستبد، ولا جارية عند سلطان. هكذا كان غسان تويني حراً مع حرياته. شرساً مع قطّاعها على امتداد حياته، الحرية والسيجارة أليفتاه. فيا للمفارقة الجميلة. وكأنه عرف انها على هشاشة السيجارة، اذا لم تدار ولم تعشق، تاريخه بكل ادواته ومعارفه ومهنته، ويختصر بالكفاح من أجلها، يصيح الديك كل صباح من أجلها. يكتب كل "اثنين" من أجلها، يؤسس ريادة الصحافة في جريدتها من اجلها. يتماهى بالثورات من أجلها. من الثورة الدستورية إلى الثورة الصحافية، فإلى ثورة الأرز، فإلى الربيع العربي. وهل من ثورات أو شعر، أو نص، أو تعليق، أو مقالة ، أو كتاب، أو دمعة، أو صرخة، أو حرقة، أو أسف، أو خوف ، أو مواجهة، ليست من أجل الحرية؛ واجه المكتب الثاني والجيش المسيس والشهابية لأنها مست الديموقراطية. واجه الأنظمة العربية الاستبدادية لأنها قمعتها. واجه الميليشيات اللبنانية (ميليشيات الآخرين) لأنها داستها ودمرت قيم الوطن، وجوهره واسباب وجوده، واجه الوصايات بشراسة وبجرأة وكأنما آخى الخطر كما آخى الحرية: والحرية خطر المخاطر! واجه وبمؤاخاته الخطر، الجلاّدين والأنظمة القاتلة والتهديدات والسجن ومحاولات الضغط والترهيب حتى القتل! رجل دائماً على مقاومة، مقاومة مدنية. شعبية. تعبيرية. ثقافية. حضارية ابداعية. وكلها من مقومات ما يستحق الانسان ان يعيش من أجله وان يموت من أجله. وحكاية الموت وغسان تويني شاقة وظالمة وجاحدة وقاسية تهد الجبال: من موت ابنته الصغيرة الى موت ابنه مكرم… فإلى موت زوجته الشاعرة ناديا… فإلى استشهاد جبران… عائلته كلها غادرته. هكذا. كأنما قدر لا يرحم. كأنما قجرُ ميت يردي الأحياء وكان جبلاً! بقوة الجبال وبشفافية الهواء الذي يعبر الجبال والسهول. لو أصابت غيره هذه المصائب لهدته. لكنه كان دائماً يجتاز وجروحه تكبر في داخله. جروحه التي لا تلتئم. ابو الشهيد، غسان تويني. ابو جبران، رائد الاستقلال، أورثه إياه عناده، وشجاعته ومروءته وأورثه الشهيد شهادته. فيا لهذه المعادلة التي تضع الولد يورث الوالد ما أورثه هذا الوالد. كان ما كان يُسليه عن هذه الفجائع، والتراجيديات امله، انه بكل بساطة شاعر الأمل، يواجه اليأس العميم بالأمل، يواجه الموت بالأمل. بل شاعر "القيامات". ولا اقصد قيامته فقط، بل بلاده. فهو عانى ما عانى وطنه على امتداد اربعة عقود في "حروب الآخرين عليه" (وهي عبارة ذَهَبٌ من أصابعه) ورأى ما كابد الناس. بل وشهد وطناً في عز طلوعه (في الستينات والثمانينات) وفي عز تساقطه امام عينيه. لم يقبل. هاج. ثار. غضب. فكر. كتب. واجه. قاوم.(وهو رائد المقاومة المدنية) يحدوه أمله وتحركه تجاربه، وثقافته، ومعارفه فكان ضوءاً عندما عزّت الضياء. وكان رجلاً عندما عزت الرجال وكان وطنياً عندما امتلأ الوطن بالمرتزقة والعملاء والقتلة ومجانين الطوائف والمذاهب والسلاح. وكان رجل الدولة عندما بات رجال الدولة المفترضون رجال عصابات ومخابرات وزعماء ازقة وعملاء دكتاتوريات؛ وها هو القَلِق، الدقيق، الحصيف، صاحب الفكر الحي، والرؤيا المستقبلية، ها هو ومن خرابِ ما حاصره، ومن العنف الذي سحق الناس، ومن الفوضى العدمية… ها هو يخرج، على امتداد زمن صعب، مضيئاً بكلامه، نصراً بفكره، مليئاً بثقافته، يحكي للتاريخ الجديد، وللسلم "المبدع" وللتعددية ولبلاد تصنع نفسها بناسها واراداتها بإراداتهم. ها هو غسان تويني، يخرج وكأنه من معدن الذهب، مصفىً في التاريخ وشاملاً في الخرائط، وموحداً في الجغرافيا.. والانتماء! لكن ليس من ذلك الانتماء المبهم الشمولي. التوتاليتاري، الضيق، المتعصب، الخانق؛ وليس من تلك الهويات "القاتلة" أو الماسخة أو الملغية، أو العدائية، انتماؤه إلى الوطن، من انتمائه إلى العالم، من انتمائه إلى وطن حر مستقل سيادي لكن على حدود الدنيا كلها. على حدود الانسان. على حدود الجماعة. والفرد والمنزل والمدينة والشارع والكتابة والتآلف والتمرد والخصوصية والاعراق والأجناس واختراق القبائل والطوائف والكانتونيات والانتسابات العنصرية. ألم يعش في عصر هذه الانتسابات التي صنعت حروب القرن العشرين وانجبت النازية والستالينية والصهيونية…. وحروبنا الطائفية… وصولاً إلى هذه الأصوليات "الدينية" الميتة والمميتة! أوليس ذلك ما يختصر ذلك المسار الشاق والبهي وتلك التجارب التي صقلته، وتلك الحروب التي انقشعت في جحيمها رؤياه.. واراؤه. وآماله! غسان تويني، من حريق التاريخ حاول ان يمتشق ضوءاً. اخذ من الحريق ضوءه ومن الموت حاول أن يستّل الحياة. أخذ من الموت قياماته. ومن الجنون اصطفى حكمته واي حكمة اعظم من تلك التي تخرج من المعاناة. رجل المعاناة. لكن رجل الخروج غسان تويني. المعاناة عبرة وعبور. المعاناة دمعة وفكرة في آن معاً. المعاناة حزن واكتشاف. المعاناة خوف وتجدد. المعاناة.. باب تجاوز العتبات الكبرى. عتبات الأفكار الكبرى، عتبات العقل النير. عتبات الحياة العديدة في روح واحدة. المعاناة تعب وقوة. وغسان تويني، على امتداد سنواته، كان ذلك الجبل، الجبار، الذي حوّل معاناته الشخصية والعائلية والوطنية والانسانية، إلى خزان ودينامية وتجدد وتجاوز… كأنما كل صياح "صباحي" كان صيحة "نهار" جديدة وبفجر جديد، ولاختراق كبير، ولمواجهات كبيرة!

ولكن وما كحّل عيني غسان تويني، الدامعتين من فقدان الشهيد جبران وسواه من شهداء ثورة الأرز في 14 آذار وهو من روادها العريقين، ومن مسافاتها السحيقة؛ تلك الثورة التي جعلته يزداد ايماناً بقوة الانسان اللبناني واكثر تمسكاً بحكمة "الأمل" واكثر اصراراً على المقاومة، خارج تفاهة الشعارات والاطماع والطموحات الخاصة. رأى قبل أن يرحل شعباً سلمياً ينتفض على جلاديه. رأى وشارك في الحدث الكبير في التاريخ المفتوح، بما كان يحلم، حيث كان سواه ييأس. ومن 14 آذار.. إلى الربيع العربي، عاش غسان تويني ربيعين: ربيع بيروت والسيادة.. وربيع سقوط الطغاة العرب، وتدركب رؤوسهم كالخرق.. وانتصار شعوبهم! رحلت يا غسان تويني بين ربيعين. وغروبك حمله ربيعان. فأي غروب مشرق. ذهبي. واعد وموعود. رحلت بين الخضرة والخضرة. بين الفجر والفجر. فأي رحيل هو قدوم. وأي مغادرة هي عودة.. وأي وداع هو لقاء!

فيا رائد الحرية، ها هم الأحرار يبكونك على قدر ما يلوحون لك بالمناديل الزرقاء. ويفتقدونك على قدر ما يفتحون لك شبابيكهم وأبوابهم. ويخسرونك بقدر ما يشرعون لك مسافات الحرية، وساحات الشهداء وساحات الاستقلال. وساحات، بفضلك وبفضل الكبار امثالك، تحررت من محرمات الطغاة!

فوداعاً يا غسان تويني، أنت الذي ما زالت سيرتك أمامنا وأفكارك في أفكارنا وصياحك.. يوقظنا كل نهار. وكل فجر وكل وطن.
فعِمّ صباحاً يا غسان!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل