هل صحيح أن الاتفاق على مضمون الموقف السياسي هو الأساس، فيما الاختلاف على أسلوب المواجهة هو مجرد تفصيل؟ وهل التمايز في الموقف من المشاركة في الحوار وعدمها دليل واقع صحي داخل 14 آذار أم مَرضي؟ وهل هذا التمايز محصور في هذا الملف أم أنه بداية ستجرّ إلى تمايزات أخرى؟ وإلام يؤشر هذا التطور الذي دفع بـ«القوات اللبنانية» إلى ترجمة تمايزها للمرة الأولى منذ انتفاضة الاستقلال؟
بَدت القوات في موقفها من عدم المشاركة في الحوار منسجمة مع نفسها حيال المواقف التي اتخذتها منذ اللحظة الأولى التي كشف فيها رئيس الجمهورية عن نيّته الدعوة إلى الحوار، فضلاً عن أنها منسجمة مع المواقف التي اتخذتها قوى 14 آذار في مناسبات عدة، أقلّها في 13 آذار 2011 عندما أعلنت أن الحياة الديموقراطية لا تستقيم مع سلاح "حزب الله"، وربطها في اجتماع "بيت الوسط" الأخير بين إسقاط الحكومة الميقاتية وبين المشاركة في الحوار، لأنّ بقاء هذه الحكومة يشكل تهديدا لوحدة اللبنانيين وسلمهم الأهلي.
لا شك في أن معظم الرأي العام الاستقلالي كان يفضل أن تحذو مكونات 14 حذو القوات وليس العكس للأسباب المعلومة من الحوار، خصوصا أن الذرائع التي أعطيت للمشاركة لا تقنع أحدا، والتي أبرزها ثلاث:
أولا، عدم الخروج عن شبه الإجماع الدولي والعربي الذي يدعو إلى المشاركة في الحوار من زاوية تبريد الساحة اللبنانية واستطرادا تحييدها عن الأزمة السورية، وأن المجتمع الدولي والعربي بـ"العربي المشبرح مش فاضي للبنان" في ظلّ انشغاله في الملف السوري. ومن هنا دعوته إلى تقطيع هذه المرحلة بتَبديَة الواقعية على المبدئية السياسية.
غير أن هذه المقاربة تفتقد إلى عنصر جوهري هو أن الطرف الذي باستطاعته تقدير المصلحة الوطنية هو الطرف اللبناني وحده لا غير، فيما المطلوب من الخارج، كل الخارج، دعم التوجهات اللبنانية المتصلة بقيام الدولة وترسيخ السيادة وإنجاز الاستقلال، وخلاف ذلك يعني تَبدية الأطراف الداخلية الأجندات الخارجية على المصلحة الوطنية، الأمر الذي يحوّل هذه القوى إلى تابعة ويفقدها استقلاليتها والأولوية يجب أن تكون لـ"لبنان أولا".
لبنان هو جزء لا يتجزأ من الشرعيتين العربية والدولية، وهو في أمسّ الحاجة لدعم المجتمع الدولي في مواجهة المحور الممانع الذي يريد إبقاءه ساحة ورهينة، وهذا الدعم هو واجب على هذا المجتمع، كون لبنان "هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها".
ثانيا، عدم الاصطدام بالرغبة الشعبية الميالة باستمرار إلى الاستقرار وإنجاح موسم الاصطياف وتقطيع المرحلة بأقل خسائر ممكنة.
إن كل مشروع 14 آذار يقوم على قيام الدولة بغية ترسيخ الاستقرار الذي سيبقى عرضة للاهتزاز طالما أن هذه الدولة ما زالت مخطوفة، وتحريرها لا يكون بالخضوع لشروط خاطفيها وابتزازهم، لأن الخضوع يعني إبقاء الأوضاع على ما هي عليه إلى ما شاء الله.
ثالثا، عدم تحميل 14 آذار مسؤولية تفجير البلد في حال عدم مشاركتها في الحوار، خصوصا أن كل المؤشرات تؤكد نوايا النظام السوري تفجير الساحة اللبنانية، والدليل أحداث طرابلس وعكار ورسالة المندوب السوري في الأمم المتحدة بشار الجعفري عن أن لبنان حاضن للإرهاب وصولا إلى الانتهاكات السورية اليومية للسيادة اللبنانية…
ولكن هل تشكل هيئة الحوار رادعا فعليا للتفجير؟ بالتأكيد كلا، لأن الحزب سيبدي المصلحة السورية-الإيرانية على المصلحة اللبنانية، فقراره في نهاية المطاف ليس ملكا له، فضلا عن أن الحوار لم يحل بين عامي 1975 و1990 إلى وقف التفجير.
إن أسوأ ما في الحوار أنه يوفر الغطاء للحكومة الانقلابية والمتهمين الأربعة باغتيال الشهيد رفيق الحريري والجرائم ذات الصلة، ويعطي "حزب الله" المشهدية التي يريدها. أمّا الكلام عن المذكرة وتضمينها للثوابت الاستقلالية فأصبحت من دون جدوى ومعنى، لأن أهميتها تكمن في تسجيلها موقفا مبدئيا اعتراضيا على المشاركة شكلا ومضمونا، لا أن تتحول إلى مذكرة شكلية رفعا للعتب ليس إلّا، أو مزايدة من أجل التغطية على المشاركة.
ستظهر صورة 14 آذار في 11 الجاري غير مكتملة، في الوقت الذي هي أحوج ما تكون فيه إلى وحدة في الموقف والصف لمواجهة تحديات المرحلة التي أرادها السيد حسن نصرالله أن تكون تأسيسية على قاعدة إعادة تشكيل لبنان بما يطيح باتفاق الطائف والتحالفات العابرة للطوائف والعودة إلى المربعات الطائفية والترسيمات المذهبية.
كان من مصلحة 14 آذار عدم الذهاب إلى الحوار، ليس فقط إدراكاً منها لعقم هذا الحوار وعدم جدواه، إنما لأن مواقفها التسووية والانكفائية منذ أحداث 7 أيار مرورا بالـ"سين-سين" وصولا إلى تفويت فرصة ترجمة الفوز في الانتخابات النيابية الأخيرة وما تلاها من خطوات تراجعية توّجت مع إسقاط الحكومة الحريرية، أدّت في النهاية إلى خروج شريحة واسعة من الشارع السني من قبضة تيار "المستقبل"، وهذا ما ظهر في الأحداث الطرابلسية والعكارية.
ويبدو أن "الحبل ع الجرار"، لأنّ الاكتفاء بتسجيل المواقف الاعتراضية على ممارسات الحكومة الانقلابية من دون اللجوء إلى أي خطوات تصعيدية وعملانية لإسقاطها، على غرار ما حصل في اجتماع "بيت الوسط"، زائد المشاركة في الحوار التي ستضاعف من حال النقمة في الشارع الإسلامي والتفلّت من قيادة "المستقبل".
وإذا كان بعض الشارع السني يتفهم التنازلات التي يجريها رئيس "المستقبل"، فإن الشارع المسيحي لا يتفهم إطلاقا تنازلات غير مبررة، وما زالت قياداته تسدد لغاية اللحظة
فواتير الـ"سين-سين"، وبالتالي كان الأجدى بقوى 14 آذار مجتمعة مقاطعة الحوار. وبما أنّ "القوات" تفرّدت بالمقاطعة، فهذا يعني الآتي:
أ- ضعف الإدارة المركزية لقوى 14 آذار، الأمر الذي يجعل كل طرف يبدي أولوياته من ضمن الهدف الكبير المشترك.
ب- إنّ الاختلاف على كيفية إدارة المواجهة لا يقلّ أهمية عن محتواها، لأن الأسلوب أو التكتيك قد ينعكس سلبا أحيانا على الهدف الاستراتيجي نفسه.
ج- هناك خلل واضح في الإدارة السياسية لقوى 14 آذار وطريقة معالجة القضايا ومقاربتها من الـ"سين-سين" إلى المشاركة في الحوار وما بينهما، مثل قانون الانتخاب والمجلس الوطني والتنظيم الداخلي لهذه القوى…
د- إنّ التمايزات التي تظهر ليست دليل واقع صحي، فالتنوع شيء وتعذر التوافق على أسلوب موحد للمواجهة شيء آخر.
هـ- إذا كان التمايز حصل في ملف يفترض أن يكون الموقف منه متطابقا، فماذا عن المسائل المتصلة بالعناوين الإصلاحية وفي طليعتها قانون الانتخاب؟
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه: ما الأسباب الكامنة وراء هذا الخلل الذي لم يكن ظاهرا والذي لم تكن مكوّنات الانتفاضة ترغب في تظهيره؟ وإذا كان يمكن وضع محطة لهذا التراجع، فالأرجح أنها بدأت مع إسقاط الحكومة الحريرية.
ولكن يبقى أخيرا: هل ما زالت قوى 14 آذار أداة صالحة للمواجهة السياسية؟ والجواب: إنّ التغيير لا يتحقق بشكل تلقائي، إنما يتطلب أدوات لتحقيقه، والحرص على 14 آذار كونها تشكل هذه الأداة في هذه المرحلة. وبالتالي، قبل القول إنّ 14 آذار انتهت، يجب توفير البديل، وخلاف ذلك يعني الدخول في المجهول والعودة إلى الإحباط.
فضلاً عن أن خطورة انفراط عقد مكونات انتفاضة الاستقلال ينقل الصراع في لبنان من وطني-سياسي إلى طائفي-مذهبي… إلّا أن ذلك لا يعني أنّ قوى 14 آذار ليست مأزومة، علماً أنّ هذا الواقع يصعب تفسيره في ظل الأوضاع السياسية التي تميل الى مصلحتها خارجيّاً وداخليّاً.
