.. ورحل أستاذ "سرّ" الصحافة الجميل
رحلة "نهار" لا يغيب
في الزمن "المكتوب" الحرج طوى عميد النهار مسيرة ستة عقود من صحافة صاغ أصولها وأسرارها قبل أن تغزوها "الثورات" معوّلة على صرخة أطلقها قبل عقود: "أتركوا شعبي يعيش"، محذراً من انتفاضة لطالما ظلّ ينبه الحكام العرب على ارتداداتها. غاب "المعلم" الذي لا تكفي حياة واحدة لتناول حيواته التي عاشها بحلوها ومرها متنقلاً في المناصب والمهمات، أشبه بهمزة وصل لم تنقطع حبالها إلا في ما خص الشق العائلي، هو الأب الذي خسر عائلته متدرجاً من فقدان الى فقدان من دون أن يفقد يوماً إيمانه بالخالق والوطن والصحافة التي خرجت أجيالاً ما زالت تحفظ عهد "المعلم"، وإن غاب في عامه الـ86، يبقى "شيخ" الصحافة ونصير الشباب في "نهارهم".
من "الفلسفة" والعلوم السياسية، انتقل غسان تويني ليتسلم الأمانة من والده جبران اندراوس تويني الذي فقده باكراً. كان الأب بائع صحف تدرج في حياته المهنية ليعين سفيراً للبنان في الأرجنتين مؤسساً في العام 1924 صحيفة الأحرار، ومن ثم صحيفة "النهار" في العام 1933. وبتسلّم الابن الذي درس في جامعة هارفرد رئاسة التحرير في العام 1949، شهدت الصحيفة نقلة نوعية انسحبت على صحيفة الـ" lorient le jour " مدعمة بتجربة مهنية غنية امتدت لتشمل ميادين الثقافة والسياسة والديبلوماسية.
في عهده الذي خرّج كباراً يطول عمرهم، وشهداء بينهم ابنه وسمير قصير، قيل فيه إنه لم يدافع عن حرية الصحافة بل أنشأ صحافة حرة محتفياً بالمواهب والأسماء الجديدة. كان يدعو الى التجاسر وعدم الاستسلام، وهو الأمر الذي دفع ثمنه بالاعتداء عليه وإيقاف صحيفته في أكثر من عهد. وعلى مر السنين، فإنه ظل الصحافي والسياسي الذي يتنقل بين "الشرقية" و"الغربية" في ذروة الحرب الأهلية من دون أن تصدر عنه يوماً إشارة أو تلميحاً طائفياً، هو الذي اختار لابنه اسم مكرم (على اسم مكرم عبيد). عنه يقول سمير عطالله: "ما كان الرجل الذي كنت أكتب في جريدته يخالف قناعاته ومواقفه فلا يتعب ولا يعاتب".
العائلة
في عائلته فجع الزوج والأب، لكنه بقي يبكي الذين رحلوا بعيداً عن الأضواء هو الأب الذي وضع مانشيت جريدة النهار في اليوم الذي عقب اغتيال ابنه جبران، الوحيد الذي بقي له على قيد الحياة. كتب: "جبران لم يمت… والنهار مستمرة". هكذا عاش يصارع الموت والحياة متمسكاً بالأمل الذي يمثله جيل الأحفاد، ولا سيما حفيدتاه نايلة وميشيل.
شكّل العام 1984 محطة موجعة بخسارته زوجته ناديا تويني، ولها كتب: "لو كانت تقرأ الآن لقلت لها بأنّ كتابي بالفرنسية "حرب من أجل الآخرين"، إنما هو الترجمة النثرية لديوانها الأخير "محفوظات عاطفية لحرب في لبنان". يقارن بين الموت والحياة: "أشعر بنفسي مكالماً لأناس فقدتهم. أحس بأنهم معي… أكاد أقول يحرسونني". وحرّاسه الى زوجته من تبعها: ابنته نايلة التي سجّل في رثائها هجوماً قاسياً على حرب همجية لم ترحم وجه طفلته الأميرة النائمة، وجاء حادث السير الذي أودى بحياة ابنه مكرم ليزيد من ثقل الموت… ثم جبران، النائب ووريث النهار، وجد نفسه أمام بقايا جسده الذي تطاير، وكان عليه أن يدفنه بيديه التي لم تكل يوماً في طلب السلام والتسامح والصفح والغفران. وفي يوم دفن الابن استذكر جبران تويني الذي حين عاد من المنفى، سقط شهيداً في العام 1947 بينما كان يلقي خطبة في الدفاع عن وحدة فلسطين وعروبتها وانتساب لبنان الى القضية العربية". يومها سلّم تويني "جبران" الى "جبران" منادياً بالقسم الذي أطلقه ابنه في ساحة الشهداء يوم انتفاضة "استقلال 2005". كان كريماً في عطائه، يستذكره أصدقاؤه في جلسات الغروب تحت الصنوبرة في منزله في بيت مري حيث لا يمل من الحلم محاطاً بعائلته التي ودّعها في حياته، وبزوجته شادية التي يقول عنها: "لقد غيّرت هذه المرأة حياتي".
"رجل دولي"
في العام 1951 انتخب نائباً في مجلس النواب عن محافظة جبل لبنان، ومن ثمّ نائباً عن بيروت في العام 1953، وانتخب بعد ذلك نائباً لرئيس مجلس النواب واستمر في منصبه لغاية العام 1957. وبعد عقد عين سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة فكانت بداية الانطلاقة نحو المناصب الدولية. وكان تسلّم مع بداية الحرب الأهلية في العام 1975 وزارات السياحة والصناعة والنفط والعمل والشؤون الاجتماعية والإعلام. وفي العام 1977 عيّن سفيراً للبنان لدى الأمم المتحدة، واستمرّ به حتى العام 1982. خلال تلك الحقبة يجمع كل من حمل لواء عبارته الشهيرة "اتركوا شعبي يعيش"، بأنه أسهم في إعطاء الديبلوماسية اللبنانية ثقلاً كبيراً ودوراً محورياً، إذ كانت له بصماته على القرار 425 وغيرها من القضايا التي نصبته ديبلوماسياً دولياً يحمل في جواز سفره اللبناني إرادة صلبة يختصرها بـ: "لا يكفي بأن تكون صاحب حق إن لم تملك الإمكانات الضرورية للدفع نحو تأكيده على أرض الواقع". ولهذا فإنه حين لمس تخاذلاً في محاولات تنفيذ القرار 425 حتى الحدود الدولية في العام 1978، لم يعد يرى تويني في موقعه الديبلوماسي في نيويورك ما يفيد القضية الإفادة اللازمة. سعى بقوّة للمجيء إلى بيروت، للإشراف على هيئة تنسيق بين القوات الدولية والجيش اللبناني ولجان شعبية جنوبية تتيح تطبيق القرار الدولي على الأرض وعودة السيادة كاملة على آخر شبر". وبحسب زملاء عايشوا تجربته الأممية، فإنه: "لم يخط حرفاً لم يسع فيه إلى الإتيان بفكرة تخدم لبنان والعرب وقضية فلسطين".
أكاديمي حازم
في تجربته الغنية والمنوعة، ينقل عنه تلامذته حيث عمل محاضراً في العلوم السياسية في الجامعة الاميركية في بيروت بين عامي 1947 و1948، ومن ثمّ ترأس جامعة البلمند في لبنان ما بين أعوام 1990 و1993، وشغل لغاية العام 2002 عضوية مجلس أمناء الجامعة الاميركية في بيروت، بأنه كان دائماً يعلم من حوله التأني في طرح الاسئلة ويحذّر من التسرع في الاجابة. يعلمهم : "فن الاصغاء ومتعة الحوار". في المقابل كان الوزير الحازم الذي قيل فيه: "هو رجل يقرأ كثيراً ويسمع كثيراً ويدخل في التفاصيل ودقائقها". وكان تسلّم في العام 1970وزارتا الانباء والتربية الوطنية والفنون الجميلة في حكومة الرئيس صائب سلام. ومنذ العام 1998، حمل تويني أمانة متحف سرسق فارداً في صحيفة النهار ومؤسسة ناديا التويني المساحات اللازمة للعناية بالتراث الثقافي والتاريخي. وكان شغل منصب نائب رئيس المؤسسة الوطنية للتراث.
فلسطين أولاً
كان العين الثاقبة في قراءة تاريخ الأمم الذي يأسف بأنه يولد على أيدي المنادين بالقيم الإنسانية ومن ثمّ ينساق الى سياسة عسكرية "امبراطورية" تذهب به الى مثل وحول فيتنام. يصفّق دوماً لبيروت المدينة التي: "وحدها لا تزال تقدر على التفجّر بمثل هذه التظاهرات، من غير أن تكون دولة المخابرات والأجهزة قد اصطنعتها للمناسبة. بهذا يمتاز لبنان. بديموقراطيته التي تسمح له بأن يصفّق للمثالية الأميركية، حين تكون هكذا… ويغضب عندما تخضعه، هو المستضعف، للقصف الاقتصادي، مثلاً، ولغيره من وسائل التهويل حين يتنطح لمخاطبة سياسة "المصالح الوطنية" الأميركية بمثلها، وتكون أميركا لا تريد أن تسمع ولا أن تتعظ".
استبق "عين" النهار الحديث عن الثورات قبل اندلاع شراراتها بزمن يوم استنهض الحكام العرب بنداء عاجل من أجل نصرة القضية الفلسطينية: "عجّلوا، عجّلوا يا حكام العرب. أو أنتم تُخيّرون غداً بين استعمار شارون لكم، أو ثورة الشعوب عليكم في حرب المحرومين، الحرب عليكم وعلى شارون في آن معاً.
لا تقدرون؟… ماذا، مثلاً، لو نظّمتم أنتم غداً، غداً، التحاف مليون عربي بالأكفان البيضاء… يسافرون الى حدود، كل حدود فلسطين (وليس لبنان وحده) ليقتحموا مسالمين أرضها نجدة لوجبة الشهداء اليومية التي يفترسها شارون؟ لا تخافوا. لا تحتمل إسرائيل إطلاق النار على مليون عربي وقتلهم! لا تخافوا. لا تخافوا".
"لا أهلية في الحروب"
محاضراته التي لطالما أثارت جدلاً، تمسك فيها بوجهة نظر تنفي عن الحروب اللبنانية صفة "الأهلية": "من السذاجة الاستمرار في الظن بأن الحروب اللبنانية كانت "أهلية"، إذ كيف كان يمكن تمويل هذه الحروب لو لم تتدفق لشراء الأسلحة والذخائر والميليشيات أموال لعلها إلهية المصدر، إن لم تكن نفطية… وتنتهي الحروب والمحاربون أكثر ثراء مما كانوا قبل الحرب". أما رؤيته للمستقبل، فكان يختصرها بست نقاط، هي: "نهاية الدولة – الأمة، العقد الاجتماعي للمستقبل سيكون بين المتحدات الاجتماعية وليس بين الأفراد. نهاية الأحزاب وموت الأيديولوجيات متسائلاً: هل ثمة مستقبل لايديولوجيا حزب البعث مثلاً؟، سذاجة "الجمهوريات الوراثية"، وانعدام جدوى الطبقات والأنظمة الحاكمة حالياً، سقوط العسكريتاريا: إفلاس الجيوش وتحولها الى "مخابراتية" مستنقعة بالفساد، التوجه نحو تكتلات اجتماعية جديدة (نقابات، هيئات أهلية الخ…) تحرك المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني، وأخيراً السهر على حقوق الإنسان". وبقي يكرر تويني ايمانه بأن حوار الثقافات والأديان ممكن وضروري، ولا يتناقض بل يتلازم مع توازن، بل "حوار القارات" معتبراً أن "التاريخ هو تغيير متواصل للجغرافيا". وحين يسأل عن مادة الحوار ومحتواه؟ يجيب: "طبعاً الدين والديموقراطية".
كتب تويني مقالته الأخيرة من باريس في الخامس والعشرين من أيار من العام 2009 بعنوان: "نحو رؤية استراتيجية لبنانية تشكل جسراً بين آسيا والغرب"، ليضع بها نقطة على السطر في قائمة نتاجه المتشعب من مؤلفات بينها: "اتركوا شعبي يعيش" الى "نزهة العقل" الى "سر المهنة وأصولها" الى "كتاب الاستقلال" و"البرج ساحة الحرية" وغيرها من الأعمال الفكرية التي يطول تعدادها.