#dfp #adsense

.. صانع الأمل

حجم الخط

خلال مرحلة الحرب الأهلية، كانت صحيفة "النهار" تصدر من شارع الحمرا، صحيفة الليبرالية والقليل من اليمين اللبناني لم تخرج من بيتها في رأس بيروت إلى الأشرفية كما "تهجر" العديد من أبناء المدينة بين جانبيها، هي بقيت مكانها رافضة التقسيم في وقت كانت المعابر هي الصلة الوحيدة بين البيروتين. قرار بقاء "النهار" في مبناها لم يكن إلا إيماناً من غسان تويني بلبنان الكامل بكل مناطقه وناسه، ولبنان هو نفسه اليوم يودع غسان تويني في ظل ظروف صعبة يحتاج اللبنانيون إلى كثيرين من أمثال غسان تويني ليمنعوا عن وطنهم الكأس المرة التي يغرق فيها بهدوء.

ابن بيروت الذي صنع للإعلام العربي نكهة جديدة مختلفة غاب بالأمس، تاركاً ذكرى لا يمكن محوها عنه، فالرجل الذي اشتغل في الصحافة كوريث لوالده جبران، بنى "امبراطورية" قوامها الموضوعية والدقة والسرعة في الخبر "الجورنالي" وكذلك السبق الذي يكاد يكون صانعاً للخبر، فحوّل "الوراثة" إلى مهنة حديثة أعطت لبنان والعالم العربي أجيالاً جديدة من الصحافيين الذين يكتبون الخبر بلغة أقرب ما يكون إلى الحداثة من دون "اللف والدوران" والكلمات المنمقة التي كانت تعيشها صحف القرن الماضي.

كان غسان يقدم الكثير لوطنه وعالمه العربي في حياته وفي الوقت نفسه يخسر أغلى ما لديه، يبني للجريدة مكاناً أولاً في العالم العربي فيخسر ابنة وبعدها ابناً وزوجة أعطته حباً وحياة رائعة.. يقدم لبيروت في بداية الألفية "النهار" في وسط بيروت ايماناً منه بالمكان والمشروع السياسي الذي يوحد اللبنانيين، وينتصر لربيع المدينة فيخسر ابنه جبران شهيداً في المربع الأول للحرية.

كان لا يتوقف عن العطاء ولا تنتهي الخسائر من حوله، رفاق درب كانوا معه خسرهم بالخطف والقصف والهجرة، واحتلال يقضم من وطنه في الوقت الذي كتب بيديه القرار الأممي 425 الذي أدى بعد اثنين وعشرين عاماً إلى انسحاب إسرائيلي بالكامل من لبنان.

يوم استشهاد جبران ابنه، وخلال وقوفنا في الكنيسة في ساحة النجمة في وسط بيروت كان غسان يغالب الألم ويغالب الدموع ويغالب الإنسان في داخله كي يخفي الحزن، يقرأ نصاً نحاول أن نلتقط منه سريعاً ما يريد قوله، كان هناك في الكنيسة يسترجع حلمه بوطن لا حروب فيه ولا اغتيالات، دعا هناك الى دفن الأحقاد ونبذ العنف كأنه في ذلك الموت الأصعب عليه يقول دم ابني الأغلى فداءً لسلام وطني.

في ذلك اليوم كان غسان يدرك أن قتل ابنه هو لتحويل "النهار" إلى سواد، ولكنه رفض وقال "جبران لم يمت.. والنهار مستمرة"، صنع في ذلك اليوم أملاً لنا، كأنه مكتوب له أن يصنع الأمل رغم كل السواد الذي أحاط بحياته.
في شبابه وفي موته، وفي خساراته الكثيرة التي لا يد له فيها، كان غسان تويني مجبولاً بالأمل، وواصلاً للعلاقة بالآخرين كل الآخرين، وكان نموذجاً للمثالي والعامل الدؤوب في أي صنعة يختارها أو تختاره، الصحافي والأب والزوج والمثكول بعائلته والمؤتمن خلال وقفته في مجلس الأمن الدولي من وطنه المقسّم بالحروب والذاهب بحب هذه الأرض إلى النهاية لا يمكنه أن يموت لأن جسده أصابه الفناء.. غسان يبقى التويني الذي صنع المعجزة رغم موت الأمل في كثير من المحطات.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل