الراحل غسان تويني رمز آخر من رموز الوطن يغيب في وقت أحوج ما يكون البلد إلى هذا الصنف من الرجال.
حكاية غسان تويني هي أشبه برواية درامية تمتزج في وقائعها مباهج الفرح والمجد، مع معاناة المصائب والمآسي، لتشكّل أسطورة إغريقية تتجاوز بعِبَرها وأبعادها مجرى الحياة اليومية العادية.
حقّق في حياته المهنية والسياسية والإبداعية ما عجز كثيرون عن تحقيقه من حضور بارز وإنجازات كبيرة. ولكنه تحمّل من الصدمات والمصائب ما يعجز كثير من البشر على تحمّله.
كان فارس الصحافة العربية، والمثال الأول للمؤسسات الصحفية في الستينات، يوم كانت صحافة لبنان هي صحافة العرب، وحيث كان صحافيّو لبنان في مقدمة الطليعة التي شاركت في تأسيس ونشر عشرات الصحف والمجلات العربية.
لم يشغله شغفه بمهنة المتاعب عن المشاركة في اللعبة السياسية التي كان يعتبر أن عمادها الأول الحرية، وأفقها الأوسع الديمقراطية، وهدفها الأسمى المساواة والعدالة بين أبناء الوطن الواحد.
حافظ على ثوابته الوطنية رغم كل ما تعرّض له من ضغوط ومغريات، ورفض الانجرار في اللعبة الطائفية، والتلاعب بوحدة البلد، والانزلاق إلى سوق الشعارات والمزايدات لتحقيق المكاسب السهلة.
تمسّك بوحدة بيروت متحدّياً كل التقسيمات التي أفرزتها الحرب البشعة، وزرعت من خلالها الإنقسام بين جناحي سيّدة العواصم، وأصرّ على بقاء «النهار» في الحمراء، في حضن «بيروت الغربية»، وعاند الإنتقال إلى الأشرفية في «بيروت الشرقية»، وذلك رغم كل ما تعرّض له مبنى النهار من اعتداءات، ورغم كل ما أصاب اركان الجريدة من استفزازات وتحديات، ايماناً منه بأن بيروت ستبقى عاصمة واحدة وموحدة لكل اللبنانيين.
* * *
لم تقتصر ريادة غسان تويني على العمل الصحفي، والممارسة السياسية، بل كان رائداً في كل الميادين التي خاضها عن سابق تصور وتصميم، وخاصة في الميدان الديبلوماسي.
عندما ايقن ان محاولاته في الداخل لايقاف مأساة الحرب العبثية لن تفلح في استعادة السلم الأهلي، قرر القبول بالذهاب إلى نيويورك ليترأس بعثة لبنان في منظمة الأمم المتحدة، علّه يستطيع ان يخدم بلده. وهناك اطلق صرخته المعهودة: «دعوا شعبي يعيش»، واستطاع ان يستصدر قرار مجلس الأمن 425 لوقف الحرب الإسرائيلية في الجنوب عام 1978، والذي تضمن بنداً ينص على الانسحاب الفوري لجيش الاحتلال من الأراضي اللبنانية.
* * *
وكان غسان تويني نموذجاً أيضاً للرجل المؤمن، الذي يواجه نكبات الدهر وقساوة القدر بسلاح الايمان الذي لايتزحزح، والذي وحده يُمكّن إنساناً بحجم غسان تويني ان يتغلب على المصائب التي داهمته الواحدة تلو الأخرى.
من وفاة ابنته نايلة وهي طفلة يانعة، إلى معاناة زوجته ناديا التي تغلب عليها المرض، إلى فقدان نجله الشاب مكرم في حادث سير مفجع، إلى خسارته ظله وحلمه الدائم جبران الذي قضى شهيداً على مذبح الوطن مدافعاً عن الحرية والسيادة والاستقلال ووحدة البلد والناس، في قيادة ثورة الارز.
***
المصاب برحيل الزميل الكبير لا يقتصر على اسرة «النهار»، ولا على العائلة الصحفية اللبنانية، بقدر ما هو خسارة كبيرة لكل الوطن المعذب.