#dfp #adsense

جدّو غسان ملاكي الساهر

حجم الخط

ماذا يعني ان اكتب عنك اليوم، وانت لا تقرأ ما تخطه يداي، وأيدي الكثيرين ممن عرفوك وأحبوك؟ في هذه اللحظات تفقد الكلمات معانيها الحقيقية. يصبح الشعور اقوى من كل الحروف والكلمات… والمعاني.
تحضر أمامي اليوم، ونحن في باريس يوم اغتيال والدي جبران. ضممنتي الى صدرك بلا حروف وكلمات. وقفت كعادتك شامخاً صلباً، فكنت مصدر قوتي الوحيدة. كنت اخجل منك. مِن الا اكون على قدر أمالك، كأبي، وكنت اخاف ان الامس وجعك المزمن. كم هو صعب هذا التحدي؟

جدّو غسان، لن أكتب لك عبارات الوداع. فأنت سترافقني دائماً، كما يرمقني جبران بنظرته كل صباح، مع كل صيحة ديك، وفي كل خطوة.
لن اكتب كلمات حزن، ولن اذرف دموعاً، لانك كنت دائماً توصيني "مابدّي دموع" .
لن اصف فيك السياسي، لان السياسة في لبنان لم تفهمك، ولم ترتفع الى مستواك، فكراً وممارسة.

ولن اكتب عنك ديبلوماسياً مرافعاً عن لبنان في منابر الامم، اذ تراجعت الديبلوماسية، وما عادت صوت الشعب في مواجهة الاخطار الخارجية، بل صارت تنسيقاً في المواقف مع الاشقاء الاعداء.
وهل اتحدث عنك صحافياً، عن "اسرار المهنة واسرار اخرى"، عن شغفك بمهنة المتاعب، وعن "نهارك الامبراطورية"؟

لا. انا انظر اليك اليوم إنساناً، جَداً، ووالداً حنوناً في غياب الأب. لا يفرقنا الموت، كما لم يفعل مع جبران، وبينك وبين ناديا ومكرم ونايلة. لم تعترف بموت يفصلك عنهم حتى ارتضيت ان تنتقل الى عالمهم، وتكون لي من هناك، ملاكاً حارساًَ، لا يحدّه موت، ولا تحكمه الأرضيات.

انظر اليك اليوم تلاقي جبراني. انتما الهدية الاغلى التي سلبتها الحياة مني باكراً، ربما الاشياء الحلوة والمبهجة لا تدوم كثيراً! لكن لله الحمد اني تربيت في ظلك، وتعلمت منك الكثير.

تغادرنا اليوم. ظهر اليوم تبتعد عنا بالجسد ، الى دنيا الحق، هناك ربما تجد أحبة أكثر من هنا. العائلة كلها، عائلتك الاساسية تجتمع هناك. تتركنا نتخبط في الخسارة وفي تضاعف المسؤوليات علينا. لكنك بالتأكيد ستواصل، بطبعك وحسك الصحافي، واندفاعك الانساني، متابعتنا، وستسهر علينا، على شاديا، ومروان ، ونايلة، وناديا وغبرييلا، وانا وجبران الصغير الذي يزهر في العائلة. سنتابع مع كل صباح ديك، "نهارك" واسرتك فيها. وستسهر حتماً على لبنان، الذي يفتقدك رجلاً كبيراً عظيماً.
جدّو غسان ، أنا أحبك.

المصدر:
النهار

خبر عاجل