صعد مع مجوس السماء.
لم تكن الاضواء التي ظهرت في سماء لبنان جسماً غريباً او من صنع شهب نيزك، بل كانت عربات مطهمة بالضوء نزلت من السماء لتحمل كبد النهار الى نهارات الابدية. كانت اربع عربات يقودها مجوس لهم اجنحة نزلت على شكل محفات ملائكية لتصطحب ذلك الفارس الذي يرحل ولا يرحل.
كانت اربع عربات مطهمة، واحدة تقودها ناديا وثانية تقودها نايلة وثالثة يقودها مكرم، اما الرابعة فعنانها في يد جبران، الذي تمتد جذوره من جبران المؤسس الى جبران المستقبل… اربع عربات مطهمة نزلت على شكل محفات من الضوء لتسدل الفصل الاخير على التراجيديا الاغريقية، التي عاشها الملك فيريام في طروادة وقد مات قبل ان يموت واذ طفح كيله بالموت وخصوصاً بعدما شاهد ولده هكتور يسقط امام الاسوار بعدما أدى قسمه للبنان العظيم.
فصل اخير في تراجيديا الحبر والورق التي من خلالها صاح الديك وطلع النهار، ومن خلالها ايضاً سيظل يصيح الديك ويطلع النهار، فاذا كان جبران قد مات واختار غسان تويني ان يعنون: "النهار مستمرة "، فان اللقاء بين غسان وجبران يعنون الآن بدوره "… والنهار مستمرة " .
وعندما تسأل نايلة تويني جدها المرتحل فجر النهار امس: "الى اين تراك تذهب ؟ لماذا تتركنا وحيدات اخواتي وانا؟ اتذهب اليهم فتجتمع العائلة هناك في احضان القديسين؟"، فانها تعرف بالتأكيد ان جدها الذي سبق له ان كتب بعد غياب كل عائلته" … ربما العزاء كل العزاء هو شعوري ببقائهم وحاجتي الى ابقائهم بكل وسائل الإبقاء"، يستطيع دائماً سحب ديمة من العزاء فوق نايلة والعائلة التي تحتاج الى ابقائه بكل وسائل الإبقاء.
واذا كان غسان تويني المرتحل بكل آلام الملك فيريام وجروحه قد كتب في ارقى احاسيسه الوجدانية: "أؤمن بأمر هو حضور، بل شيء من حياة الاموات معنا… اشعر بنفسي مكالماً لأناس فقدتهم، احس انهم معي وأكاد ان اقول انهم يحرسونني"، مات ولم يمت، ارتحل ولم يرتحل، فان نصفه يبقى هنا مزيجاً من حبر المدرسة في عائلة "النهار" ونصفه في السماء مزيج من وهج القديسين في العائلة.
صباح 12/12/2008 كنت في مكتبي في "النهار" انهيت قراءة افتتاحيته "تستشهدنا من بعدك كل نهار يا ابني يا حبيبي" واتجهت فوراً الى مكتبه. التقيته خارجاً في الممر كنا وحيدين، سألته: أخيراً صدّقت ان جبران…؟ قاطعني معانقاً وليس من عادته ان يعانق احداً وغلبته دمعة نادرة. لم يقل اي كلمة وادركت انه كان حيث كتب ذلك الصباح: "امضي في الفراغ الذي تركت من بعدك في دنيا الحياة اسألك لماذا… لماذا؟".
توقف عن الكتابة وشرع يترجل عن صهوة الجسارة واستسلم للتصديق، وحرصت من يومها على ان لا اراه إلا واقفاً في الممر يبتلع دمعته على جبران الى ان عدته في المستشفى قبل يومين. كانت يده المرتحلة في يد حفيدته نايلة يسلمها الامانة.