#dfp #adsense

غسان تويني: مشهد من الطفولة

حجم الخط

لما بدأت رحلة غسان تويني الاخيرة قبل نحو اربعين يوماً، ما استطعت ان اطرد من مخيلتي بعض الصور التي حملتها عنه عبر السنين. نسيت الصحافي الكبير، والسياسي العريق، والمفكر والمثقف والمتعدد الموهبة، لكني بقيت استرجع، في ما استرجع، مشهداً ما نسيته يوماً.

يبدأ المشهد عندما ناداني غسان تويني قبل عامين الى مكتبه، وكان لا يزال يعمل بكل طاقته. وما ان دخلت مكتبه الذي لا يبعد عن مكتبي سوى بضع خطوات، حتى ناولني ورقة مطوية قائلا: افتحها واقرأ. ففعلت، وكم كانت دهشتي كبيرة عندما وحدت ورقة مطبوعاً فيها بالـ "دكتيلو" القديم مقال لي كتبته في مطلع السبعينات من القرن الماضي عندما كنت طفلا، وكان عنوانه "النهار اقوى من الموت"…

كنت قد كتبت المقال في اليوم التالي لتعرض "النهار" لتفجير بالديناميت. وتذكرت انني جئت يومها الى الجريدة برفقة والدي السفير محمد علي حماده وكان يدير "دار النهار للنشر"، واصعدني الى الطبقة التاسعة من المبنى حيث مكتب غسان تويني. ولما دخلت قلت له اريد ان اكتب مقالا. فناولني أوراقاً بيضاء، واشار الي بالجلوس خارجا الى طاولة والعودة اليه بالمقال حينما افرغ منه. وهكذا كان فكتبت بلغة الأولاد البريئة والبسيطة مقالاً استنكرت فيه وضع متفجرة في مبنى "النهار"، معتبراً انه لا يمكن يمكن اسكاتها مهما صار. و ختمت: "النهار اقوى من الموت". ناولت غسان تويني المقال الطفولي، قرأه وقال لي: حبيبي علي، فيك دم الصحافة. ستصير صحافياً، واحتفظ بالورقة بعدما طواها.

مرت السنون ولم يخرج الورقة من محفوظاته، ليعود ويعطيني المقال الذي لم ينشر لانه ما كان في الاصل يصلح للنشر، وليذكرني بما قاله لي قبل اربعين عاماً ونيف.
في تلك اللحظة شعرت بحبه الكبير، و بأبوته المعنوية والمهنية، وبوطأة عينه الساهرة من بعيد وكأنه الراعي يرعى خرافه ان في العائلة او في الاسرة النهارية او في محيطه الارحب.

لن اتحدث عن الرجل الكبير، فقط اردت ان اورد مشهدا شخصياً واحداً من جملة مشاهد ربطتني به على مر العقود. اردت ان اتحدث عن الرجل الذي كان شغوفاً بالصحافة حد العبادة حتى انه بحث عن "الصحافي" في عقل ووجدان ولد ما كان قد بلغ العاشرة من العمر. فكم من الاجيال تربت على ايدي المعلم غسان تويني؟!

المصدر:
النهار

خبر عاجل