لقد دعا السيّد حسن نصرالله في إطلالة له الى مؤتمر تأسيسي من شأنه أن يحدّد ملامح المرحلة المقبلة لجهة "بناء الدولة". إذا تناولنا هذا الطرح في الشكل، قد يجد فيه بعضهم إيجابيّات نظرياً، من زاوية اعتراف "حزب الله" بالدولة، واعتبارها الخيار الأوحد لمكوّنات النسيج الوطني، والإقرار بأنّه ليس بإمكان أحد الحلول مكانها. هذه الإيجابيّات تخلق مناخاً سياسياً صحيّاً في ظلّ التشنّجات والتمايزات السياسية التي توتّر حال البلد وأحلام أهله.
أمّا في التفسير الإستراتيجي، فالأمر يتّخذ منحى أخر. وإذا سلّمنا بأنّ المؤتمر التأسيسي ضرورة يطرحها الواقع المرتبك، أليس شرطا لنجاحه أن يضع الأفرقاء – وفي طليعتهم "حزب الله" – أوراقهم كلّها على الطاولة، بما في ذلك السّلاح وأيّ لبنان نريد. من هنا، يطرح على حزب الله السؤال التعجيزي الثنائي التوجّه: هل يتخلّى عن سلاحه لمصلحة سلاح الدولة ؟ وهل يطرح جانبا إيديولوجيّته " الفقيهية " لقيام " ولاية " لبنان المستقلّ ؟ إذا استندنا الى التصريحات المتعاقبة لمسؤولي "حزب الله"، نصاب بخيبة تنسف كل أمل بتحقيق الأهداف المرجوّة. فالسلاح مقدّس وباق، حتى زوال الصهاينة من الوجود، وحتى تحرير آخر دسكرة في الكرة الأرضيّة من الإمبرياليّة والغطرسة الغربيّة، وأيضا حتى زوال خطر " اللاأرضيّين" القادمين من نجوم ومجرّات بعيدة، والذين يستهدفون كوكبنا الأزرق. وعن العلاقة بولاية الفقيه أو نائب الإمام الغائب والذي لا تردّ أحكامه، يقول الشيخ نعيم قاسم – وهو واحد من المرجعيّات الفقهيّة العالية المستوى – إنّ الفقيه هو " حاكم على الأمّة ليس فقط على الدولة، وعلى جميع المراجع عدم الخروج عن طاعة الوليّ الفقيه الواحد، وأوامره ملزمة لأنّ الأمريرتبط بالأدارة العامة والسياسة العامة…". ويشير الشيخ قاسم في كتابه "حزب الله المنهج – التجربة – المستقبل" الى أنّ الوليّ الفقيه يمتلك وحده قرار الحرب والسلم.
إنّ السيّد نصرالله وضع نفسه – إستراتيجياً – في موقف حرج. فبين طرحه لمؤتمر تأسيسي يفترض أن يأخد بالاعتبار آراء الأفرقاء وتوجّهات المكوّنات الأخرى، المتباينة وطنيّا والمختلفة في مفاهيم السيادة والإنتماء والولاء، وبين إيديولوجيّته المبنيّة على التكليف الشرعي الذي يعتبره أمرا إلهيّا موكلا تطبيقه للفقيه، وهو يعني المسؤوليّة أي الطاعة، فعلى أيّ من الضفتين سوف يرسو؟ هل يتغاضى عمّا جاء في البيان التأسيسي للحزب ومفاده التأكيد بصفة رسمية الإرتباط التام بولاية الفقيه الذي لا تجوز مخالفته، فولايته كولاية النبي والإمام المعصوم؟ هل يخالف ما ورد في كتاب الشيخ قاسم في سياق التزامات الحزب من "أنّ الحزب يلتزم منذ تأسيسه القيادة الشرعيّة للوليّ الفقيه… الذي يرسم الخطوط العريضة للعمل في الأمّة، وأمره ونهيه نافذان"؟ وإذا كان الوليّ الفقيه "هو الذي يسمح وهو الذي يمنع " كما جاء على لسان الشيخ قاسم، فهل حصل على إجازة شرعيّة لطرح المؤتمر التأسيسي، كما جرى في موضوع المشاركة في الإنتخابات النيابية عام 1992، حين حصل الحزب على إجازة الوليّ وتأييده لحسم المشاركة؟
إذا كان "حزب الله" لم يبدّل خطابه السياسي، ولبنان الذي يريده هو نسخة عن الحالة الإيرانيّة، وإذا كانت أكثرية اللبنانيين لا تؤيّد هذا المشروع المستورد، فهل هناك قطبة مخفيّة يسعى "الحزب" الى تمريرها مرحليّا من خلال المؤتمر التأسيسي وصولا، في ما بعد، الى الإجهاز على الدولة والوطن بمقوّماته الحاضرة ؟ وهل طرح موضوع المثالثة – بحجّة التغيّرات الديموغرافية – هو ما يشكّل القطبة المخفيّة، أوالمرحلة الإنتقاليّة الموصلة الى تنفيذ المشروع الموعود؟ لو كان الأمر على غير هذه الشاكلة، فمعنى ذلك أنّ التنفيذ مؤجّل، والمرحلة هي مرحلة " تقطيع وقت". أمّا إذا دخل الحزب في مقدّمة مشروعه، فينبغي أخذ الحيطة فالمواجهة، وتنبيه الغائبين عن الوعي الى أنّه، حين يستيقظون، لا ينفع البكاء وصريف الأسنان.