#dfp #adsense

لبنان ودّع غسان تويني

حجم الخط

 

ودع لبنان الرسمي والشعبي، عميد النهار والصحافة اللبنانية غسان تويني، في مأتم مهيب، اقيم عند الثانية عشرة ظهر اليوم في كنيسة القديس جاورجيوس وسط بيروت، ومنحه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وسام الأرز الوطني من رتبة الوشاح الأكبر.

وكان للراحل محطة وداعية عند الحادية عشرة من قبل ظهر اليوم، امام مبنى "النهار"، حيث كانت في استقباله العائلة: زوجته السيدة شاديا وحفيدتاه نايلا وميشيل، السيدة سهام تويني، وحشد من السياسيين.
وانطلق الموكب الذي سارت خلفه اسرة "النهار" والإعلاميون وحشد غفير من المشيعين سيرا على الأقدام في شوارع وسط بيروت نحو مجلس النواب حيث توقف هناك، ثم الى كنيسة مار جاورجيوس في وسط بيروت على وقع قرع الأجراس، ولدى وصوله الى الداخل سجي في الكنيسة على وقع التراتيل والصلوات.

ترأس الصلاة البطريرك مار اغناطيوس الرابع هزيم، يحيط به متروبوليت بيروت للروم الارثوذكس الياس عوده ومطارنة الطائفة.

وحضر مراسم الجنازة ممثل رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي، ممثل رئيس مجلس النواب نبيه بري النائب عبداللطيف الزين، ممثلة الرئيس الفرنسي الوزيرة ياسمينا بنغويغي، الامين العام لوزارة الخارجية الاردنية محمد علي ضاهر ممثلا العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني، ممثلين عن الطوائف الدينية، رئيس حزب الكتائب امين الجميل، النائب جوزيف المعلوف ممثلا رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، الرئيس فؤاد السنيورة، نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري، نائب رئيس حزب القوات النائب جورج عدوان، نادر الحريري ممثلا الرئيس سعد الحريري وحشد سياسي ونيابي ووزاري ودبلوماسي كبير.
والقى البطريرك هزيم الكلمة الآتية: "كنا في الجامعة الاميركية، وهناك درسنا وكان غسان بالنسبة الينا مثلا. كان هو الشخص الذي يساعد الكثيرين. لا احد يمكنه ان يتكلم عنك. انت اكبر بكثير مما يمكن ان نقول. سنلجأ الى اخينا المتروبوليت جورج خضر لينوب عنا في القاء كلمتنا نحن" .

والقى مطران جبل لبنان للروم الارثوذكس جورج خضر كلمة ابرز ما جاء فيها: "لم تجذبك تفاهة هذا العالم، ولكنك كنت شغوفا بالقيم التي تنزل عليك، قلبك قلب داعية، لذلك قلت لك مرة أنت لست سياسيا، أنت فيلسوف في السياسة والصادقون فيها اقتبسوا منك الحكمة بها، كنت تخاصم ولا تحقد لأن الوطن يحتاج الى خصومة والى محبة ليصل به قوت أرضه الى حيث يستلهم ليتكون. من كل هذه الزوايا أمكن القول انك اغريقي العقل، اوروبي الهوى، متنور مشرقي ذو لسان عربي، تحمل كل هذا الميراث باعتزاز وزهد في آن، كنت تكره القمع وتقول القمع ترده الحرية أو تبطله ولذا آمنت بالحكم الذي يرعى الحريات ورفضت حكم العسكر ويقينك ان الشورى لا تحتاج الى غيرها لكون العقول تتلاقى بالتواضع الذي قال عنه اباؤنا "انه القمة" في سلم الفضائل. امتحنك الموت بكل عائلتك ولم ترزح ليس لأنك جبار، ولكن لكونك مؤمنا، الموت قبل أن يتخذه المسيح كان مقيتا وغدى الآن لكل إنسان طريقا الى القيامة، نحن قياميون بامتياز ومن رآنا يوم الفصح له أن يقول هؤلاء سكارى بإيمانهم أي بهذا الذي جعل فيهم هذا الإيمان لكونه قام حقا وهم يعيشون بهذه القناعة، وقد حلت بهم المشقات في كل بلدان انتشارهم وقاسوا فوق كل تصور ووصف.

ولما كان الأبناء شركاء في اللحم والدم، شاركهم يسوع في طبيعتهم هذه ليقضي بموته على الذي في يده سلطان الموت أي ابليس، ويحرر الذين كانوا طوال حياتهم في العبودية مخافة من الموت. يخشى الموت من لا يؤمن بالإنبعاث، لذلك نودع غسان اليوم على رداء التلاقي في ملكوت الله، السؤال الوحيد الذي يطرح امام مغادرتنا الجسد هو هل الله هو كل شيء؟ إذا آمنا بهذا يكون موطننا في السما.

نقف بفرح أمام هذا التأكيد الإيماني، هذه الرتبة المسماة جنازة ان هي لقاء المسيحي الشخصي بالمسجى، والله سيكون بالكل، سيبطل ما كان فيك من مجد ليصبح كل مجدك معه فقط.

سنرث منك كل ما كان عقلا وبهاء وحبا وذوقا وابداعا وحداثة وانكسار قلب وتوهج كيان، ان في لبنان ودنيا العرب، والذين احبوك في ما هو أعمق سيرثون ما كان في قلبك من القائم من بين الأموات.

 

والقى الرئيس ميقاتي كلمة قال فيها: "ايها الراحل الكبير، يعز علي ان أقف في وداعك، انت الذي ملأت الدنيا وشغلت الناس، ملأتها في كل حقل عملت فيه، في الاعلام، في التربية، في السياسة والدبلوماسية، شغلتهما في حمل لواء حرية الكلمة وقيم التسامح والغفران، ومبادىء الحوار والقبول بالآخر في كل موقع شغلته.

قيل الكثير في غيابك، وسيقال أكثر، ولكن حتما لن تفيك أي كلمة حقك. انت الذي حملت قضايا لبنان والعرب في كل المحافل الدولية.

ايها الفقيد الكبير، تقديرا لعطاءاتك ووفاء من لبنان تجاهك، قرر فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان منحك وسام الارز الوطني من رتبة الوشاح الأكبر، وكلفني ان اضعه على نعشك في يوم وداعك. وباسم فخامته وباسم الحكومة اللبنانية، أتقدم بالتعازي من عائلتك الصغيرة ومن آل تويني الكرام واسرة "النهار" وأسرة الاعلام والاعلاميين في لبنان والعالم العربي بأحر التعازي ولكم الصبر" .

وألقت حفيدة الفقيد نايلة تويني مكتبي كلمة قالت فيها: "الآن أقول وبكل شجاعة ان غسان تويني يستطيع أن يغمد القلم والقلب واليدين، وان ينام قرير الجسد والعينين، بعد ان ضاعف الوزنات وأكمل الجهاد الحسن، وسلم الأمانة وعاد وانضم الى الحبر الأصيل. لن أرثيك يا جدي، لن أرثيك يا غسان تويني ولن أبكيك، وليس عندي سبب واحد لأرثيك وأبكيك. يكفيني ويكفيك اعتزازا وعزاء. انك تكسر في موتك اسطورة سيزيف الإغريقي الذي حكمت عليه الآلهة بالقصاص الأبدي لأنه أغضبها. أما أنت يا غسان تويني فانت "سيزيفنا" اللبناني الفلسطيني السوري بل العربي، تنتصب بعنفوانها وكبريائها وتنتصب خصوصا بحبرها في الجبل الإلهي.

يا جدي ويا أبي بعد اغتيال أبي، وإذا كان جبران بعد ان أطلق القسم الشهير في ساحة الشهداء، ساحة الحرية، فأقسم أنا أمامك في هذه الكاتدرائية العظيمة، وأقسم في حضرة الأب الالهي، وفي حضرة هذا الجمع المهيب، ان الأمانة – أمانة النهار، أمانة لبنان الديموقراطي المدني الجمهوري المتنوع السيد الحر المستقل، أمانة العروبة الحضارية، وأمانة الحرية والحداثة والثقافة، لن تسقط وستبقى كما جعلتها شامخة كالأرز، سيدة متجددة وحرة من كل مساومة أو قيد أو شرط. وسأقول لك يا جدي ان هذه الأمانة تقتضي مني ان يكون ارث النهار في عنقنا بل في أعناق زميلاتي وزملائي جميعا وهو إرث مهني عظيم تاريخي متواصل ومتجدد، لكنه أيضا ارث سياسي ديموقراطي ومجتمعي، وإرث فكري لغوي أدبي ثقافي حضاري وأخلاقي، سأقول لك ان اباك جبران سيكون معي، وسيكون ابي جبران معي وأختي ميشال وإخواتي ناديا وغابرييلا وسأجعل الجميع يحملون معي هذا الإرث العظيم، سأنتظرك كل مساء، سأجلس على ذلك المكتب ومعي كل الإرث الوطني الذي تركته لنا وللبنان، تعال أنت وجبران، ثمة أحاديث لم تنته بعد وثمة مسيرة نضالية لم تنته بعد، يا جدي لا تقلق على شاديا فنحن جميعا معها، أما أنت فسلم على جبران" .

وكانت كلمة للنقيب مجمد البعلبكي قال فيها ان تويني هو المتمرد بامتياز، المتمرد على كل واقع لا سيما واقع الجهل والتخلف وعفن الضمائر، وأكاد أقول المتمرد حتى على الموت. هو المتمرد دائما على ذاته، والمتمرد حتى على ذات الله ليسود في كل مرة وقد امتحن أقسى امتحان بعد أقسى امتحان ليتفيأ ظل الله الظليل فتسكن منه النفس وتطمئن لما وراء هذه الدنيا وليس أبدا لما حفلت به هذه الدنيا.

وفي ختام الجنازة، تقبلت العائلة التعازي، ثم ووري الجثمان في الثرى في مدافن مار متر.

المصدر:
الوكالة الوطنية للإعلام

خبر عاجل